هذه الصفحة بيت ضيافة أردني لخزائن الخير والرضى ..
هم الذين انعم الله عليهم بطول العمر المؤثث بالذاكرة الشابة. لديهم التجربة والحكمة والرضى، ما تفيض به نفوسهم فيغدقونه على الأجيال الجديدة، وفاء للوطن واحتسابا للألفة الاجتماعية وشحنا للعزيمة في مستجدات حياة سريعة لا ترحم.
من باب الاحترام الكثير والثقة العالية، كانوا يسمونهم ''القرامي'' وهي الجذور العميقة والسيقان الصلبة للأشجار الوارفة. نقبل أيديهم ورؤوسهم وفاء لهم وانتظارا لما يقولونه من حكمة أو يستدعونه من ذكريات وقصص، وامتثالا لما يحرصون عليه من صلة الرحم وكافة خصال الخير التي تحتاج الأجيال الجديدة من يذكرهم بها.
''من زمان'' بيت ضيافة ' '' الذي نلتقي فيه هذا الجيل الأثير وهو يعيد على مسامعنا بعضا من صفحات تاريخ العز المدون في الذاكرة الوطنية.
عبر شريط تألق بحوافز التاريخ نخطو بروية نقلب صفحات نفيسة من أنفاسه.. مدينة عريقة بتاريخها وحضارتها، طيبة بأهلها وترابها، صدى جبالها وتر تواتر بشدوه الصاعد من واد الأكراد والميدان والمرتفعات الشاهقة التي تطل على مدينة اريحا مشرفة عاى الأغوار. ماضيها عريق بانسانه وآثاره وما خلفه من بصمات تحكي للأجيال من بعده عن قصص حضارية متعاقبة.
من السلط .. من بيت السلف وحكايته التراثية يرويها غالب أحمد عربيات المولود فيها على يد الداية حليمة مطلق الخليفات قال:
في عمر الخمس سنوات دخلت الروضة وفي مدرسة سعيد البحرة درست الأول الابتدائي ومن ثم تابعت في مدرسة أديب وهبه وفي مدرسة عقبة بن نافع درست الصفين الخامس والسادس وكان فيها الاستاذ يوسف الساكت ومحمد القصير وحسان النابلسي وعبد القادر عربيات وسليم حداد وأحد أساتذتي محمد أبو الراغب ما زال على قيد الحياه أطال الله في عمره، حيث درسني في الصف الرابع وكنا نتعلم كل المواد من عربي وإنجليزي ورياضيات واجتماعيات وجغرافيا وتاريخ.
كنت من المجتهدين في صفك؟
كنت مجتهدا حتى الصف السادس، وبعدها انتقلت الى مدرسة السلط الثانوية ، حيث كنا نسكن في منطقة الجدعة وكانت في ذلك الوقت من الأحياء الراقية وكان بيتنا قريب من السرايا .. في السلط الثانوية تعرفت على عمومتي وأقاربي وأبناء العشيرة، فكنا 14 واحدا من من نفس العائلة في صف واحد، وهنا بدأت الكارثة الكبرى، شلة التفت على بعضها البعض فشكلت حزبا مشاغبا شقيا غير مبالي ولم يكن أحد يستطيع التحدث معنا ، حتى ان الطلاب في المدرسة كانوا يتجنبوننا ، ومن يريد أن يحمي نفسه كان ينضم الينا فلم ينجح من الشلة سوى اثنين ، وأذكر من أبناء عمومتي في الصف كان محمد أحمد عواد وعاطف عبدالمهدي، وفرحان الفلاح، وحديثه، واسماعيل، فكنا نخرج من الصف ونجلس تحت الشجر لندخن ونروي قصصا حالمة عن مستقبل مجهول وأحاديث شتى لا طعم لها ولا لون.. كنا مستهترين متأنفين لا يعجبنا غير ما نفكر به وكأننا سلاطين زماننا . لم يكن هناك سائل ولا مسؤول، وفي تلك السنة في نهاية الفصل الأول حصل كل واحد فينا على ستة إكمالات، وفي الفصل الثاني توسط لي ابن عمي الحاج مفلح عند مدير المدرسة الشيخ أمين الكيلاني فعدت مجبرا اليها وأديت الاكمالات الستة ونجحت وترفعت إلى الصف الثالث الاعدادي وقدمت ''المترك'' لكنني لم أنجح به وبدأت عندي الحياة العملية في عمر 16 سنة.
هل شقاوتكم طالت معاكسة الفتيات؟ 
لا .. أبدا لم نكن نفعل ذلك ابدا، فهذا الأمر من المعيبات حتى اننا كنا نخجل من فعل ذلك لو فكر أحدنا.. صحيح أننا كنا مشاغبين و ''مشكلجيين'' لكن لم نتجاوز حدودنا مع اي فتاة في الشارع أو في الحي أو في اي مكان آخر فنظرتنا لهن كانت نظرة احترام ولذويهن أيضا فكلنا أهل وأقارب وابناء جيرة وحمايتهن من أي مكروه كانت واجب علينا.
وبعد الصف الثالث الاعدادي تركت المدرسة واشتغلت في وزارة الزراعة لمدة سنة واحدة وكنت ما زلت في السادسة عشر من عمري وفي أثناء عملي أصبحت أتاجر في المشاريع التجارية والحلال رغم ان اهلي لم يكونوا أصحاب حلال، فتيسرت الامور المادية عندي وشعرت باستقلالية ومن هنا بدأ حبي للحلال والخيل حيث اشتريت فرسا وغنما وبعد سنتين من ممارستي العمل كانت أمنية والدتي يرحمها الله العودة الى المدرسة رغم انها كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب لكنها كانت تدرك تماما ان العلم هو سلاح يجب ان احصل عليه ومن ثم أعمل ما يروق لي في التجارة أو الحلال ولإصرارها والحاحها المستمر عدت للمدرسة وانهيت الثانوية العامة ولم انجح طبعا لأنني لم اكن ارغب في الدراسة فكان كل تفكيري منصبا حول المشاريع التجارية والحلال.
قلت ان أهلك لم يمارسوا مهنة الفلاحة وتربية الماشية كيف امتهنتهما؟
جدي مفضي الموسى يرحمه الله كان مزارعا في بداية العشرينيات وعندما توفي عام 1925 لم يكن والدي يعرفه ليراه في الأرض يحصد ويزرع حتى يقلده لذلك لم يرث والدي ولا أحد من اخوته الخمسة مهنة الفلاحة ، كما ان اهل والدتي ايضا لم يمارسوا تلك المهنة لكنني أحببتها وقد أكون ورثتها عن جدي بلا شعور.
هل تذكر مراسيم زواج والدتك كما حدثتك عنها؟ حسب ما سمعته من أمي والدي لم يكن يعرفها قبل زواجهما، لكن أخيه الكبير طلبها من جدي عندما كان والدي يعمل في السلك العسكري في الضفة الغربية، فعندما عاد من فلسطين أخبره شقيقه بأنه طلب له عروسا وأنها ابنة أحمد المصلح الخليفات وكان عمرها 17 سنة، ووالدي 22 سنة.
وأنت كم كان عمرك عندما تزوجت؟
29 سنة، وزوجتي 23 سنة.
كيف تعرفت عليها؟
كان أهل زوجتي يسكنون في منطقة وادي السير فذهبت إليهم ضيفا فرأيتها حيث جلست معنا فأحببتها من أول لقاء وهي كذلك فتزوجتها رغم مقاومة شديدة من أهلها، ما الشروط التي أملاها عليك والد زوجتك على اعتبار ان زواجكما جاء بعد مقاوة؟ لم تكن الشروط صعبة .. أو ربما لم أجدها صعبة لأنني كنت اريدها مهما كلفني الأمر وكنت مستعدا لتلبية كل ما يملى علي وكل ما يطلبه في سبيل زواجي من ابنته لكن بشكل عام كانت أهم شروط الزواج في وقتنا تكمن بأخلاق الشاب وأن يكون رجلا بمعنى الكلمة ويحافظ على زوجته، فلم تكن الناس في الماضي تنظر إلى المادة كما هو اليوم.
هل اعتمدت في زواجك على أهلك؟ لا بد من مساعدة الأهل بداية لكنني اعتمدت أكثر على نفسي.
صف لنا يوم زفافكما:
من الجاهة أبدأ : بعد ان وافق والدها بعد '' طلوع الروح'' .. الجاهة طبعا كانت من المراسم الأكثر أهمية وما تزال حتى اليوم لطلب يد العروس وتمت الموافقة، ولأن والدها كما ذكرت كان متشددا ولكي يعجزني بهدف العدول عن رأيي وضع مهرا عاليا . طلب 10 دونمات أرض، فذهبنا إلى أقاربه وأدخلنا واسطة بيننا فتنازل بأن أدفع 10 آلاف مؤجل و10 آلاف مقدم، فوافقت، وعندما جاء القاضي لعقد الزواج قال له والدها ضع 600 مؤجل ودينارا واحدا مقدم، ونكاشة بابور وبريموس.
ماذا تعني بنكاشة بابور وبريموس؟
هي تعبير عن رضاه وانه طالما حصل النصيب لا يريد ان يشعرنا ان هدفه ماديا وتسهلت الأمور بفضل الله وقمت بعمل حفلة عرس وذبحنا لعمل غذاء للمعازيم فقدمنا 100 منسف، وعندما ذهبنا في ذلك العصر لنأتي بالعروس لحقت بنا حوالي 120 سيارة من السلط لوادي السير، وأتينا بالعروس حتى وصلنا صويلح حيث ودعونا أهلها وكان وقتها معي سيارة فأخذتها لقضاء شهر العسل في دبين.
هل لبست العروس الفستان الأبيض؟
نعم لبست الفستان الأبيض، حيث قمت بتفصيل فستان لها وكان ثمنه 30 دينارا وأرسلتها إلى الصالون، وتم عمل حفلة حناء لها وبالنسبة لي أيضا عملت حمام العريس حيث استحممت عند ابن عم والدي الشيخ أحمد فبيته كان بيت بركة على اسرتنا فتبركت عندهم فهم من أهل الدين والتقى، وكان رجلا فاضلا يرحمه الله.. وبعدها تم عمل زفة وطبعا بالنسبة لي كنت متألقا جدا.
وماذا عن عباءة الخال؟
هذه العادة أيضا طبقت في يوم زفافي فخال العروس طلب مني 200 دينار وكأنه ''انتقام'' لأنه كان يريدها لأحد أبنائه، لكنني رفضت أن أدفع هذا المبلغ وذهبت إلى نسيبي فقال لي مثلها مثل بنات عمها وأشار علي بأن أدفع 40 دينارا فأعطيته المبلغ لدفعها الى خال زوجتي.
هل تذكر أول هدية قدمتها لزوجتك وهل هدتك مقابلها؟
أهديتها خاتما وزجاجة عطر.وهي أهدتني سلسالا من الفضة وخاتما وولاعة سجائر من الفضة أيضا.
سكنت مع أهلك بعد الزواج صف لنا علاقة ''الحماة'' مع ''الكنة'' في بيت واحد:
صحيح كما هو المفهوم العام ان سكن الكنة مع حماتها يخلق نوعا من الخلافات، كما وأنه عند البض قد تصل لأبعد من حدود الخلاف .وصحيح أيضا ان كل فتاة تحب ان يكون لها بيتا مستقلا مع زوجها ، لكن كنوع من الخجل والحياء والبيئة التي كانت في الماضي، حتى لو أنها لم تكن راضية عن العيش مع أهل زوجها فلم تكن تخبر زوجها بذلك. وبالنسبة لزوجتي وأمي فلم يختلفا ولله الحمد نهائيا . فكانت زوجتي تساعد في ترتيب البيت والطبخ والغسيل والأمور البيتية العادية وهي راضية دون تذمر أو شكوى علما ان اكثر الخلافات بين الزوجة وحماتها يكون عادة حول أعمال البيت وأحيانا التدخل من الحماة فلا شك ان هناك حموات متسلطات وفي المقابل لا بد من وجود '' الكنة '' الصعبة وما شابه من صفات وهذا بفضل الله لم يحصل حقيقة بين أمي وزوجتي.
ستة شباب مع الوالدة تحت سقف واحد ، هل وجدت صعوبة بتعاملك مع المرأة لعدم وجود شقيقة بينكم؟
بالنسبة لي عندما جاءتي أول طفلة خجلت أن أقبلها، رغم أنني أريد أن أقبلها والسبب انني كما سؤالك لم نتعود على وجود فتاة في بيتنا فكلنا شباب كما وان علاقاتنا مع قريباتنا لم تكن بهذا الانفتاح كما هو اليوم نختلط أو ما شابه. واذكر انه كان لدينا جيران من دار الخطيب والغنيمات، فكانوا يأتون لبيتنا لطلب أغراض أو ما ينقص عليهم، حيث كانت العادة بأنه إذا احتاج أي جار لشيء يطلبه من جاره فكنت لا أعرف بنات جيراننا رغم ان السور بالسور حتى أنني لم أعرف أنهن تزوجن. وحقيقة وبعد مرور كل هذه السنوات الطويلة كنت آمل أن يكون لي شقيقة لكانت الأمور أسهل علينا وخاصة على والدتي التي كانت عندما تمرض لم نجد أحدا ليخبز لنا الخبز، صحيح أنه كان معنا أموال وكنا نستطيع شراء الخبز من السوق، ولكن كان هذا الأمر من العيب، فأمي لم تكن تقبل وتعتبر شراء الخبز من الفران تقصير بحق نفسها. علما اننا كنا نساعد الوالدة خاصة ونحن صغار السن في ترتيب البيت لكن هذا لم يكن كافيا كما لو كانت بيننا شقيقة.
ما الأحداث التي عاصرتها وما تزال عالقة في عقلك؟
ما زال في ذهني ما كان يرويه والدي الذي عمل في الجيش العربي الأردني وشارك في حرب 1948 وتصاوب في منطقة باب الواد وهي إحدى معارك القدس في الحرب العربية الاسرائيية والتي حدثت بعد اقل من اسبوع من معركة اللطرون التي استمرت اسبوعا وكانت مقدمة لتحرير القدس وإخراج القوات اليهودية منها وتكبيدها خسائر هائلة.
هل ندمت على شيء في حياتك؟
نعم ندمت جدا في الفترة التي عدت فيها الى المدرسة بعد ان تركتها.
ماذا علمتك الحياة؟
علمتني الصبروالتحمل والتروي في اتخاذ القرارات، كما وعلمتني بأن الإنسان يجب أن يحافظ على مبادئه وأخلاقه وقيمه وعاداته وتقاليده.
والمحصلة؟
أمس كان غير اليوم في كل شيء ..اليوم كل واحد منا يقول '' اللهم يا نفسي'' وهذا للأسف الشديد ما لم نعرفه ولم يعرفه آباءنا وأجدادنا من قبل وليرحمنا الله.