«سلالات النسب المعرفـي ..»

«سلالات النسب المعرفـي ..»

كمال الصليبي، المفكر العربي اللبناني، يروي بعد اجتيازه لامتحان الدكتوراة في جامعة لندن، ان استاذه «برنارد لويس» اعطاه اسناده المعرفي على الطريقة الاسلامية التقليدية، وهو اسناد له اكثر من دلالة ومغزى، سيما في امتداده الى ما يقارب قرنين من الزمان، هذا فضلا عن طبيعة التخصص المعرفي لهذا الاسناد. وبحسب الصليبي، فان لويس اخبره قائلا «انت اخذت العلم عني، وانا اخذته عن هاملتون جب، وهو اخذه عن توماس ارنولد، الذي اخذه عن وليم رايت، الذي اخذه عن رينارت دوزي، الذي اخذه عن سيلفستر دوساسي» وتمنى عليه ان يحافظ على مستوى من العمل يتناسب مع هذا الاسناد. ما سبق يشكل سلالة معرفية بالغة الاهمية، مع غيرها من السلالات الموازية، في تحديد شكل معارف الغرب الحديثة عن الشرق، ولا عجب في ذلك، فالعرب الذين اهتموا بسلالات النسب العرقي، للانسان والخيل، منذ تبلور معارفهم، هم انفسهم الذين اهتموا بسلالات الاسناد والرواة والمعرفة، حين خرجوا بدينهم الجديد الى الاجيال اللاحقة ولمن لحق بهم من الامم. ولكمال الصليبي، صاحب الاسناد، بصرف النظر عن الاتفاق اوالاختلاف مع ابحاثه، اعمال ترتفع في مستواها العلمي الى شرف السلالة المعرفية، وهي ابحاث اثارت ضجيجا كبيرا عند صدورها، مثل «التوراة جاءت من جزيرة العرب» و«اسرار وخفايا التوراة» و«البحث عن يسوع» و«حروب داود» و«بيت بمنازل كثيرة» وغيرها. اما نقاش تلك الاعمال ونقدها فتلك حكاية اخرى لا مجال لها هنا. ومن تلك السلالة المعرفية، الممتدة من الجامعة الاميركية في بيروت الى جامعة لندن وكامبردج وهارفرد وغيرها، ينحدر الدكتور عبدالعزيز الدوري، الذي ترجم الى العربية رسالة الدكتوراة لبرنارد لويس عن «جذور الحركة الاسماعيلية..» في اربعينيات القرن العشرين، وهناك اسماء اخرى، عربية واجنبية، تتقاطع مع هذه السلالة وترتبط بسلالات اخرى، منها «دانيال بلس» وابنه «هوارد»، ويعقوب وفؤاد صروف وبنيه فارس، ومجيد وإيلي خدوري، وآفي شلايم، وهولت ووليد الخالدي وغيرهم. ومن نفس السلالة ايضا ينحدر «حنا ميخائيل» صاحب رسالة «السياسة والوحي: الماوردي وما بعده»، التي اشرف عليها السير هاملتون جب في جامعة هارفرد «1968»، وهي رسالة قال عنها ألبرت حوراني: انها «اكثر البحوث التي قرأتها عن الفكر السياسي السني امتاعا»، وذلك لان ميخائيل اوضح فيها «كيف يمكن ان تتحول القوة مهما كان نوعها ومصدرها الى سلطة شرعية، اذا مورست ضمن حدود الشريعة لضمان استمرارية الدين والعدل..». اما حنا ميخائيل، الذي ترك هارفرد بعد عام من رسالته، ليلتحق بحركة فتح في الاردن، والذي يعتبره رفاقه مؤسس التيار اليساري في حركة فتح، كبرى فصائل المقاومة الفلسطينية حينها، فقد اختفى مع رفاق له في ظروف غامضة، خلال الحرب الاهلية في لبنان، حين كان متوجها في قارب من بيروت الى طرابلس، ولم يعرف عنه شيء حتى الان. وتتداخل تلك السلالة وتتفرع، ليتشعب معها الاسناد المعرفي على الطريقة الاسلامية التقليدية، فاحد فروع تلك السلسلة هو الدكتور زين نورالدين زين، صاحب العديد من البحوث المثيرة والمميزة، والبروفسور زين، الذي كان استاذ التاريخ في الجامعة الاميركية في بيروت، وبحسب ادوارد سعيد، كان من الطائفة البهائية، وخلال الحرب الاهلية اللبنانية، كان سافرا في عدائه للمسلمين والفلسطينيين، فاعتكف طوال الثمانينيات في بيته رافضا مغادرته، الى ان توفي وحيدا وله من العمر تسعون عاما. لا يتسع المجال هنا لشرح اهمية حلقات تلك السلالة، فهاملتون جب هو من ترجم رحلة ابن بطوطة، وصاحب كتابي: دمشق والحروب الصليبية، والغرب والمجتمع الاسلامي، وغيرهما، اما برنارد لويس، فهو من ترجم نصوص ابن غيريال، وله العديد من الكتب: كتاريخ الشرق الاوسط، واسطنبول وحضارة الامبراطورية العثمانية، والغرب والشرق الاوسط، والعرب في التاريخ، وغيرها. بعد الحرب العالمية الثانية، ومع انتقال مناطق النفوذ في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي من الامبراطورية البريطانية الى الولايات المتحدة الاميركية، تحول مركز النقل المعرفي من جامعات بريطانيا الى الولايات المتحدة. وهو ما تبعه انتقال تدريجي لاساطين الدراسات الشرقية الى جامعات الولايات المتحدة ومراكز دراساتها وتمركزها هناك، وعلى رأسهم هاملتون جب وبرنارد لويس. ما يجب استدراكه وقوله هنا، ان الاجيال العربية من حلقات تلك السلالة لم تستجب كلها لما كان يراد لها من الاعداد والتأهيل. فمنهم من عاد الى بلاده بادئا مشروعه المعرفي الوطني الخاص، ومنهم من اردفته امواج السلالة على ظهرها وضفافها، ولولا قليل من الحرج الثقافي والحساسيات الخاصة، لاوردت اسماء وعناوين لشبكات فرعية ومتشعبة، لابحاث تاريخية وعلمية واقتصادية وثقافية، كانت اساسا استراتيجيا لمعظم ما تمارسه الان السياسة الغربية في بلادنا. وعلى الرغم من هذا، فسيبقى لحديث سلالات المعرفة بقية، وهي بقية تتصل باصحاب الحجة، الذين يرون «بان القلم يخدم السيف، لانه يحصل لاصحاب السيوف ارزاقهم، فهو كالخادم له»..!! fafieh@yahoo.com