حفلت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين إلى الفاتيكان باهتمام عالمي، وهي زيارة تأتي في وقتها المناسب، فهي أولا لتهنئة البابا بندكتس بجلوسه على الكرسي البابوي، وثانيا لدفع الحوار بين الأديان، والأردن رائد به وهذا ما أشادت به جريدة اللاكورا الفرنسية عشية هذه الزيارة، وثالثا أن من شأن هذه الزيارة تعزيز العلاقات الدبلوماسية القائمة بين المملكة الأردنية الهاشمية والكرسي الرسولي.
فقد بلغت العلاقات بين الطرفين ذروتها في عهد البابا يوحنا بولس الثاني وتوجت بمرحلتين هامتين: أولهما الإعلان عن بدء العلاقات الدبلوماسية الرسمية وفتح السفارات منذ 3/3/1994، وثانيهما الزيارة التاريخية التي قام بها البابا البولوني الأصل في شهر آذار عام ألفين الى الأردن.
ومنذ عام 1964، وتحديدا أثناء زيارة البابا بولس السادس إلى الأردن، وهي أول زيارة لحبر أعظم خارج أسوار ايطاليا، والأردن يسعى بإمكاناته إلى تمتين موقعه كأرض مقدسة تؤمها أفواج السياح والحجاج للتبرك بالتراب الطهور. وكان لتعقيدات الوضع على الخارطة الفلسطينية وتأزم الأوضاع المتفاقم والمتتالي في الشرق، قد حال، في ذلك الوقت، دون تحقيق النتيجة المتوخاة في جعل الأردن نقطة هامة وحيوية على خارطة الحج المقدس.
وجاء فتح السفارات بين الطرفين الأردن والفاتيكان عنوانا لفتح مرحلة جديدة من تاريخ الأردن المقدس، فيما تحقق في عام ألفين ما ينشده الأردنيون من دعم سياحي وبالتالي اقتصادي هام، فقبل زيارة البابا في شهر آذار من ذلك العام المقدس، نال الأردن موافقة الفاتيكان، وهو أعلى سلطة روحية مسيحية في العالم، على اعتبار خمسة مواقع رئيسية في الأردن أمكنة حج مقدس، يحصل المؤمن فيها على بركات روحية له ولأهل بيته ويتنقى من ذنوبه وخطاياه، وهذه المواقع للتذكير هي: قلعة مكاور، ومزار سيدة الجبل، وكنيسة مار الياس، وجبل نيبو، وموقع المعمودية في وادي الخرار أو المغطس، وقد جرت البرامج الموضوعة بدقة بالغة لزيارة البابا إلى الأردن ووقوفه عند مزارين هما جبل نيبو والمغطس كعنوان للدعم الكبير وتأكيد على الدور الأردني في التاريخ الديني الهام في المنطقة.
ومع اشتعال انتفاضة الأقصى في أيلول 2000 لم يتسن للأردن أن يقطف ثمار هذا الإعتراف الكريم من الفاتيكان وألغيت رحلات كثيرة وتعززت الإلغاءات بعد إعلان الحرب الأمريكية على الإرهاب وبعد الحرب على العراق، وفي الجانب السياسي والدبلوماسي وجد الأردن نفسه يلتقي جنبا إلى جنب مع الدعوات البابوية في التركيز على حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة وواجب الحفاظ على المقدسات في أرض المهد والقيامة، وتعزز الحوار الإسلامي المسيحي وصارت المملكة إنموذجا يحتذى في التعايش الأخوي بين مسيحيي هذا الوطن ومسلميه.
وقد كانت زيارة الملك عبدالله الثاني بن الحسين إلى حاضرة الفاتيكان في أول زيارات جلالته الخارجية تأكيدا على التعاون والتضامن من أجل خدمة الإنسان وتقديس كرامته النبيلة. وفي تلك الزيارة عام 1999 قام جلالته بري شجرة زيتون في إحدى حدائق الفاتيكان وهي التي أهداها المغفور له الملك الحسين بن طلال إلى البابا بولس السادس أثناء زيارته للأردن، وما زالت هذه الشجرة ضاربة جذورها في الأعماق، وكيف لا وهي ترمز للصداقة القديمة المتجددة والتي تلتقي على احترام الحقوق الانسانية والحوار الرفيع.
واليوم، فإن الزيارة الملكية السامية إلى الفاتيكان ترمز إلى عمق اللقاء بين الداعين إلى السلام وأصحاب النوايا الحسنة وتعزيز الحوار الإسلامي المسيحي الذي ازداد ضرورة وأهمية بعد 11/9/2001 وقد أتت الزيارة في يوم استذكار العالم لذلك اليوم الأسود في تاريخ البشرية. نعم، للحوار بين الأديان ضرورته الحالية، وما حضور جلالة الملك في حاضرة الفاتيكان الا تأكيد على ذلك.
www.abouna.org