محمود الزواوي - تسعى الأعمال الأدبية والفنية إلى التركيز على الأسطورة في معالجتها للسِّير الشخصية المتعلقة بالشخصيات التي تترك أثراً إنسانياً محلياً أو عالمياً.
ويأتي ذلك عادة على حساب التفاصيل الهامشية الكثيرة التي تنطوي عليها حياة جميع العظماء.
والأديب أو الفنان الناجح هو الذي ينجح في إبراز عبقرية الشخصية التي يتناولها في عمله الأدبي أو الفني. كان هذا ما كنا نتوقعه في مسلسل أسمهان الذي عرض ضمن سلسلة المسلسلات الخاصة بشهر رمضان ، والذي جاء التركيز على عرض حياة أسطورة فنية هي أسمهان أو الأميرة آمال الأطرش (22 تشرين الثاني 1917 - 14 تموز 1944) وهو اسمها الحقيقي، وعلى الجوانب الهامشية لحياة فنانة أمتعتنا جميعاً بواحد من أروع الأصوات العربية التي ظهرت في القرن العشرين، صوت يفتن الأسماع ويغزو القلوب.
وهي الفنانة الوحيدة التي قورن صوتها بصوت كوكب الشرق أم كلثوم، بل إن هناك من يعتبره صوتاً أفضل من صوت أم كلثوم بكل ما عرف عنه من روعةٍ وجمال.
لقد أضاع وفوّت القائمون على مسلسل أسمهان فرصة ذهبية لتقديم أو لعرض حياةِ فنانةٍ كانت نادرة ليس في صوتها حسب بل وفي حياتها الدرامية والفنية التي اختطفتها يد القدر وهي على أبواب الثلاثين من عمرها، مخلّفة وراءها ثروة غنائية جاوزت الأربعين أغنية مازالت تحتل مكانة مهمة ورائقة في التراث الغنائي العربي، بعد مضي أكثر من ستين عاماً على رحيل هذه الفنانة الرائعة أسمهان.
ومما يؤسف له أن الثيمات التي اختارها كاتب السيناريو ومخرج مسلسل أسمهان أدخلت المسلسل في متاهات كان في غنىً عنها، منها على سبيل المثال ، التركيز المبالغ فيه وغير الضروري على شخصية فؤاد الأطرش شقيق أسمهان الأكبر .
ولعل أغرب ما في مسلسل أسمهان والمأزق الذي وقع فيه، عدم قدرة المسلسل على إبراز أسمهان المغنية، وهي سمتها الرئيسية في عالم الغناء العربي، وقد أضاع المسلسل جهوداً كبيرة لا داعي لها في تقديم الجوانب المتعددة لشخصية أسمهان، بما في ذلك دورها السياسي الذي أُستغلت فيه من قِبل الإنجليز بالإضافة إلى شخصيتها الماجنة .
يزخر مسلسل أسمهان بمئات المشاهد، كظهور أسمهان وهي تدخن بشراهة سيجارة أو .. وغير ذلك من المشاهد التي تكررت مئات المرات.
لقد كان بوسع البناء الدرامي لمسلسل أسمهان أن يقدم هذه الأدوار المتعددة لشخصية أسمهان بأسلوب مختصر، وأن يركّز بدلاً من ذلك، على المزيد من تفاصيل دورها كفنانة أصيلة صاحبة صوت عظيم، فمن المآخذ الكثيرة على مسلسل أسمهان إضاعة العديد من الفرص الذهبية لتحقيق والتدليل على الدور الغنائي البارز لأسمهان.
وعلى سبيل المثال، في أول لقاء لأسمهان مع نخبة من الملحنين المشهورين في القاهرة، ومنهم الملحن داود حسني أحد كبار الموسيقيين في مصر، يطلب الجميع منها الغناء وهو ما كان يتوقعه المشاهد ضمن البناء الدرامي الطبيعي للقصة. فبدلاً من أن نستمع لأسمهان وهي تغني لأول مرة، ينتقل المشهد فجأة إلى شوارع القاهرة ثم إلى نادٍ ليلي صاخب يعج بالأشخاص، دون أي تفسير لمبرر إضاعة هذه الذروة الدرامية في القصة.
وقد تكرر ذلك حين قُدّم شقيقها فريد الأطرش من قِبل صاحبة النادي الليلي الذي كان يعمل فيه كعازف على العود بعد اختيارها له كمطرب رئيس للنادي الليلي، مما شكّل قفزة نوعية في المشوار الفني لفريد الأطرش.
وفي اللحظة التي قُدّم فيها للجمهور في النادي الليلي، لنسمع صوته كمشاهدين لأول مرة ، ينتقل المشهد فجأة إلى موقع آخر ولا نسمع شيئاً من غناء أسطورة غنائية عربية أخرى وهي المطرب والموسيقار فريد الأطرش شقيق أسمهان.
لقد أضاع مسلسل أسمهان فرصة ذهبية ليس فقط لتقديم أسمهان الفنانة والمغنية، عوضاً عن التركيز على الجوانب الشخصية غير المهمة لهذه الفنانة العظيمة، بل إنه أضاع فرصة ذهبية أخرى لتقديم فريد الأطرش كفنان بدلاً من مجرد شقيق يمضي نصف مشاهده في المسلسل في المشاجرة مع شقيقه الاكبر فؤاد وفي محاولاته المتكررة للدفاع عن شقيقته أسمهان أكبر ضحايا شقيقه الأكبر فؤاد. ويسجل لمسلسل أسمهان الأداء المتميّز للممثلة السورية سلاف فواخرجي التي جسّدت شخصية أسمهان المركبّة بنجاح وتفوق هائل، وأداء العديد من الممثلين المساندين، وتوثيقه المراحل المختلفة لحياة فنانة دخلت عالم الغناء العربي من أوسع أبوابه.