حسين دعسة - هل هلالك يا رمضان.. صوت عانق حفيف اشجار خجلي في صيف آب.. وها هي السيدة الأم، تتذكر ما وجدته في صرتها من أوراق ونذر وكتابات، أشياء صغيرة، لامال فيها، الا الصمت والورع، وبعض الاحاديث المخطوطة على رق قديم.
قرأت، وعيونها ترنو نحو طفلها الوحيد الجائع، النائم من تعب الفقر والشقاء والمرض.
قرات بصوت رخيم: - اذا جاء شهر رمضان فتحت ابواب الجنة، وغلق ابواب جهنم، وصفدت الشياطين، (ذكرها صوت دهري بما ترقرق من دموعها يوم غادرها موئلها وسندها..
وكان يومها، يوم بشائر هلال رمضان.. فصابرت ونالت من الحزن والايمان ما جعلها تسكن الى حال الاخرة ملتقطة من الدنيا، وحيدها اليتيم.. الصابر..
وفي ساعة الفجر كل فجر يمر عليها، هو فجر مؤمن، وعاينت فرط ايمان جعلها ترى كيف فرض الصيام على أمة الاسلام؟ وما هي حكمته.
قالت، كأنها ترى بعضا من الوثائق والصور: كان ما فرض من أول الصيام، في شهر رمضان الاول من السنة الثانية لهجرة الرسول (ص) الى المدينة المنورة، وكان ان جاء الفرض في شعبان منها لقوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . (البقرة: 183).
وكأن عينها ترنو نحو النائم، تحدثه وهو ابن ثلاث سنوات بعد موت أبيه، الذي لاعبه في حدوها او اقل، ورأت الام. التي نوت الصيام، نية نصوح: - رمضان لنا. للاسلام، ولم يشرع من صيام شهر مثل رمضان من قبل.
وحسبهم، هؤلاء الناس، وقد وجدوا ان رمضان جاء لكي ترتاح نفوسهم، الى ان يشعروا ان الايماءة الصغيرة يوم الصيام، هي بحجم العشق الالهي، ولا ريب في ذلك قط.
.. انك لتراهم يمجدون يومهم .. ووقتهم هذا، فكيف بشهر رمضان، شخص الاشهر الهجرية، وينوهون بعظمته وصفاته الحميدة.
وهذا يلزمنا .. ان نعي هلال رمضان ودلائل فضله من جميع النواحي الدينية والايمانية والشخصية والانسانية في حياتنا وفي اعمالنا.
ووجدت تلك المرأة التي احمرت وجنتاها من صمت وجوع الحال ان الدنيا، امام الصائم ينيرها سراج رباني.
فالصائم مشغول بالهم الديني وبمحبة الخالق سبحانه، والفرار اليه بالعبادات والصدقات، شأنه في ذلك، شأن الاولياء الكبار الذين قال فيهم السلف الصالح، وعلماء الامة الثقاة:.
وعلامة الاولياء ثلاثة: همومهم لله، وشغلهم فيه، وفرارهم اليه.. .
ولعل الاولياء، عند الدعاء، يسقط في مرشدهم ما دعا به الامام معروف الكرخي:.
اللهم ان قلوبنا وجوارحنا بيدك، لم تملكنا منها شيئاً، فاذا فعلت ذلك بهما فكن انت وليهما .
وهو الداعي، في ليالي رمضان اجعلنا ممن يؤمن بلقائك ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك ويخشاك حق خشيتك .
ومن اثر الصيام على الناس، اثره على العبادات والمعاملات.. مثل البيع والشراء وتقديم الصدقات والدعاء..
وهذا بشر الحافي - ابن الحارث عبدالرحمن بن عطاء يقف على احوال السوق مستفسراً عن اسعار الدقيق التي كان يهمه امرها، لأن التلاعب بالاسعار هو شر انحراف عن الصراط الاسلامي العادل.
وجاء في الرواية انه خرج الى السوق فكان اذا ما مر بواحد او اكثر الا رفع صوته، وقال السلام عليكم، ثم وقف على رجل دقاق (يطحن القمح والشعير) فسأله عن سعر الدقيق بالامس فقال: ناقص فابشر يا ابا نصر، فحمد الله وأخذ .
وقال لاصحابه، واهله ممن صام ذاك العام:.
اذا اهتممت لغلاء السعر فاذكر الموت فإنه يذهب عنك هم الغلاء .
ان احتماء الصائم المسلم عن الدنيا، وزهده بها، هو ما يتحقق من ايمان قلبي، ظاهر معانيه ومعالمه في سلوك الصائم الورع (...) وهذا جدله الحد الحكيم الرباني من قدرة الصائم الحقيقي على تطابق الرؤى الايمانية بين باطن حياته وظاهرها.. اذ لا مجال للخدعة ولا للمخادعة، فالبصير هو الذي يرصد الباطن.. (اصلح سريرتك واعبده حيث شئت).
لانت قناتها الى دمع حار.. فناجت الامساك الاول من رمضانها الاتي.. وتناثر في ذاكرتها فيض الدعاء..
سارت عبر دعاء ازلي نالت منه الكثير.. وعاينت ما تعلمت على يد الزمان والمنون.. ناجت روحها.. وهاجت تكتب في سرها: ويوم الصائم فيه كثير من الحياة والعمل، القول والجدل.. وفيه عبادة وورع من الخالق سبحانه..
لعل في الدعاء نجاة للصائم اللهم انك تعلم انني منك واليك اخاف اتكلم او اليك اجادل.
و..اللهم انك تعلم أني أخاف ان اصمت او اسكت ولا انسى فانا منك ورع ولا اسكت عن عبادك.
واللهم انك تعلم سريرتي، صيامي وحزني، وخوفي ان تأخذني ساعة الحق بين السكوت والكلام..
ولعلها ساعة الافطار، تنال، وهي في ظلال رمضان جلال المعنى الالهي من تكاثف الرحمة والرضوان والمحبة الدائمة لله سبحانه.