السلط -بترا-هيفاء البخيت - تقع خربة الدير على ربوة مرتفعة تغطيها غابات البلوط والسنديان وتنتشر حولها القصور الفارهة والمزارع والبساتين وتبعد عن بلدة الفحيص نحو ثلاثة كيلومترات. وتعتبر الخربة من المواقع النادرة التي ما تزال آثارها المعمارية متكاملة نسبياً وذلك بسبب بعدها عن النشاط العمراني الكثيف وخدمات البنية التحتية التى تؤثر على سلامة الآثار بشكل عام. وتقدر مساحة الخربة بحوالي أربعين دونماً، تمتلك دائرة الآثار منها حوالي 13 دونماً حسب مدير مكتب اثار السلط سعد الحديدي.
ويعرف الموقع الآن باسم خربة الدير وينسب هذا الاسم حسب الروايات والمصادر الحديثة الى ان أحد الرهبان كان يعيش متنسكا داخل هذا الموقع وانه كان يدعو الناس الى الزهد والخير وانه اتخذ من البرج الذي كان بداخله صومعة مكانا للتعبد ما لبث ان تحول الى كنيسة ولذلك سمي بالدير،وكان الموقع يعرف ايضاً في العصر الايوبي باسم البرج الابيض كون حجارته الضخمة التى بني منها كانت من الحجر الكلسي الناصع البياض ،كما استخدم كمحطة للبريد الزاجل في العصر الأيوبي المملوكي ايضا. وبدأت الدراسات ومواسم التنقيب العلمي الحقيقية لخربة الدير في عام 2002 حيث قام مكتب آثار السلط بستة مواسم للتنقيبات الأثرية كان آخرها هذا العام حيث ماتزال اعمال التنقيب جارية لكشف المزيد عن محتويات الموقع. ولعل أهم ما يميز خربة الدير هو ذلك البرج الدائري الضخم الذي يتربع على ربوة عالية تشرف على جميع السهول والجبال المحيطة بالموقع يستطيع الناظر من قمة البرج ملاحظة جبال جرش وعجلون وجبال عمان وجبال القدس وما يليها من مرتفعات.
وقد بني البرج في العصر الحديدي (1200 قبل الميلاد) وورد ذكره في المصادر القديمة حيث اكد بعضها انه كان محطة للحمام الزاجل والبريد في العصر الأيوبي وان اسمه كان البرج الأبيض.
وتؤكد الشواهد الاثرية على استخدام البرج ككنيسة في العصرالايوبي المملوكي وهو ما تؤكده الاكتشافات الأثرية ايضا حيث عثر على مجموعة كبيرة من الفخار الايوبي والمملوكي وعلى مبخرة من البرونز وعلى نقوش لصلبان مختلفة الأشكال وبعض قطع العملة التى ترجع الى هاتين الفترتين. كما تم الكشف عن العديد من الغرف والاقبية والانظمة المائية من الابار والخزانات حيث عثر على ابار كثيرة مختلفة الأحجام والأشكال وطرق البناء وبعضها محفور بالصخر وبعضها مبني بالحجارة وبعضها مزيج من الحفر والبناء.
ويمثل عدد الآبار المكتشفة التي زاد عددها عن العشرين حتى الأن إلى أن الموقع كان يعتمد على مياه الأمطار لتامين الحاجة وأن هذه الابار كانت تكفي السكان وتزيد وهو ما يزيد من التأكيدات على ان للموقع دوره العسكري المميز في العصر الأيوبي المملوكي حيث تحتاج الجيوش والعساكر والدواب الكثيرة المرافقة لهذه الجيوش الى آبار واسعة وخزانات كبيرة وصهاريج كثيرة لتغطية حاجاتها اليومية للماء.
كما عثر على ثلاثة اقبية ومجموعة من الغرف المبنية من الحجر في مواقع مختلفة من مناطق التنقيب ولعل من أهم الغرف التي تم العثور عليها تلك التي ظهرت في الجزء الجنوبي والجزء الشمالي من البرج الدائري حيث عثر على مجموعة من الغرف تمثل وحدة مترابطة فيما بينها إذ تشترك معظمها ببوابات وجدران وممرات وتدل حالتها المعمارية على الإستخدام الكثيف والمتواصل خلال الحقب المتتالية.
وعثر على معصرة واحده حتى الآن وهي عبارة عن أحواض دائرية أو شبه دائرية محفورة بالصخر ولها مصافي تتصل بأخاديد تمثل قنوات التصريف وعلى الأرجح أن هذه المعصرة كانت تستخدم لعصر العنب.
اما اللقى الاثرية فتمثلت بالفخارية والادوات الحجرية والقطع المعدنية اما القطع الفخارية فوجد عدد قليل من الادوات والمتمثلة بالاسرجة والصحون والجرار ،كما عثر على كميات كبيرة من الكسر الفخارية التي تمثل معظم أنماط الأواني المعروفة في الفترة الأيوبية الملوكية.
اما الموجودات المعدنية في الموقع فكانت مصنوعة من مادة النحاس أو البرونز وأهمها مبخرة اكتشفت في قبر داخل كنيسة البرج كما عثر على حمالة أسرجة دائرية تتكون من شبكة زخرفية ولها ثلاث نتوءات ربما لحملها بواسطة خيط أو سلسلة معدنية وهي معروضة بمتحف آثارالسلط أيضاً. ومما يلفت الانتباه قطع الخبث الحديدية التي تملأ أرضية الخربة التي تؤكد أعدادها الهائلة بان ثمة مصنع أو فرن للتعدين ولصناعة الأسلحة من دروع وسيوف ورماح كان سابقا الا انه لم يتم العثور عليه حتى الان.
كما عثر على مجموعة من المسكوكات البرونزية في مختلف المواسم التي تمت في الموقع وجميع القطع النقدية تقريبا تؤكد على ان فترة الاستيطان للخربة كان في فترة العصر الأيوبي المملوكي،اضافة الى عدد من المنحوتات اغلبها لزخارف تتعلق بالموضوع الديني فهي تمثل مجموعة من أشكال الصلبان المختلفة نقشت على أوجه الحجارة بعضها كان مثبتا بالجدران الداخلية للكنيسة وبعضها كان منفصلا عنها. وعثر كذلك على نقش منحوت على حجر بازلتي اسود مكسور بحيث فقدت الأسطر نصفها الأخر ولكن دل النقش على أخبار لأحد القادة العسكريين من العصر الروماني ويرجح أن يكون هذا النقش قد تم جلبه من مكان آخر لغرض لم يتوضح حتى الآن. ما يزال الموقع يزخر بفيض من المظاهر المعمارية التي تكتشف في كل موسم ، كما إن الاكتشافات تؤكد أن هذا الموقع يعد من المواقع النادرة والمهمة في تاريخ المنطقة والذي يعكس حقبة من ملامح الصراع العسكري والسياسي والثقافي في القرون الوسطى وما بعدها من تاريخ الأردن.
وتؤكد جميع الشواهد أن الموقع كان محط أنظار العساكر والجيوش في الحقبة الأيوبية المملوكية حيث كان حصناً متقدما مع حصون عجلون والسلط وعمان والشوبك والكرك،وهو مصدر يزود الجيوش بالسلاح والذخائر وهو ما يدل عليه حجم الأقبية والأبنية المكتشفة وأعداد آبار الماء والخزانات وكذلك الكميات الكبيرة من خبث الحديد المنتشر في أرضية الموقع.
وعليه فإن أهم ما يمكن التوصية به -كما يقول الحديدي- هو أن يظل الموقع تحت أعمال الدراسة والتنقيب خلال السنوات القادمة وان يعاد احياء الأفكار التى تدعو لتحويله الى منتزه ثقافي حضاري واستثماره بما يكفل عرض بعض الجوانب التاريخية المهمة في العصر الأيوبي المملوكي وطريقة الحياة الى عاشتها هذه المنطقة إبان هذه الحقبة المميزة من تاريخ الاردن.