السياسات الاقتصادية المعاصرة وآثارها الاجتماعية

السياسات الاقتصادية المعاصرة وآثارها الاجتماعية

تاريخ النشر : السبت 12:00 5-7-2008

المحامي د. محمد عبدالله الظاهرالنسور  - شهدت البشرية مرحلة جديدة من مراحل حياتها، مع بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين، الذي بدأت ملامحه تتحدد مع انهيار المنظومة الاشتراكية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وانتصار الفكر الرأسمالي القائم على المذهب الفردي الحر، فقد شهد العالم تطورات بالغة الأبعاد طوال القرن العشرين، وخاصة في عقوده الأخيرة، بدخول عصر العولمة بأبعاده التجارية والاقتصادية والمالية والثقافية وغيرها، وما يقوم عليه من إزالة للحدود الجغرافية أمام التبادل التجاري وإطلاق المنافسة، انسجاماً مع المنظور الاقتصادي الحديث الذي انفرد في الساحة الدولية، وهو ما أدى ويؤدي إلى إحداث تغييرات جوهرية تنعكس بمجملها على حياة البشر جميعاً.
في خضم تلك المتغيرات، واستجابة لمتطلباتها ومقتضياتها، فقد كان من المهم التركيز على تلك العلاقة الجدلية القائمة بين الثورة العلمية والتقدم التقني والنمو الاقتصادي من جهة، وبين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للأفراد من جهة أخـرى، في محاولة لرسم حدود كلا الاتجاهين، وإيجاد التوازن بين التنمية الاقتصادية والازدهار التجاري، والتنمية البشرية الاجتماعية.
ولا يخفى أن أهم المتغيرات الحاصلة في حياتنا، كان مرده الثورة الاقتصادية، التي بدأت تسود العالم، والتي تقوم أساساً على الفكر الرأسمالي الداعي إلى اتباع سياسات إعادة الهيكلة الرأسمالية، تلك السياسات التي تحمل معنى إحداث تغييرات جذرية في الهياكل الاقتصادية للدول، وسوقها نحو سيادة توجهات نظام السوق الحر في النشاط الاقتصادي، وتنصيب رأس المال الخاص، على أنه الفاعل الرئيسي في العملية الاقتصادية، وما يستتبعه ذلك من انسحاب الحكومات من المعترك الاقتصادي، وبالتالي تخليها عن مهامها الجوهرية في التنمية.
تبعاً لذلك، بدأت بلدان العالم -وخاصة الدول النامية- تشهد تغيرات عميقة في هياكلها الاقتصادية باتباع برامج ووصفات يفرضها قطبا النظام الاقتصادي العالمي (صندوق النقد والبنك الدوليان)، والتي تمثل طوراً متقدماً من إعادة الهيكلة الرأسمالية، بحيث تجري فيها هذه التغيرات بالاتفاق المباشر مع المؤسستين الدوليتين المذكورتين وتحت إشرافهما الدقيق، باعتبار أن أزمة المديونية التي تعاني منها معظم الدول، ومنها الدول العربية، جعلت من اللجوء إلى صندوق النقد والبنك الدوليين وقبول شروطهما، أمراً لا مفر منه.
وتنطلق سياسات الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة أساساً، من منظور يشدد على أهمية عوامل قوى السوق، في تحديد الإنتاج ونمط تخصيص الموارد، وهي تدعو إلى السعي لتحرير الأسعار، ونقل الملكية العامة إلى القطاع الخاص، وتحرير التبادل التجاري، وفتح الأبواب للاستثمار الأجنبي، بهدف تخصيص وتوزيع الموارد، بالاعتماد على قوى السوق، وهي تعتبر فيما تعتبر، أن سياسات الحد الأدنى للأجور، والدعم للسلع والقيود الجمركية وغيرها، من شأنها أن تضفي تشوهات واختلالات في الأسواق، وتحد من مرونتها وكفاءتها في تخصيص الموارد.
ويربط البنك الدولي عمليات إعادة الهيكلة، بقروض إعادة الهيكلة وقروض هيكلة القطاعات الإنتاجية، وتهدف هذه القروض ? حسب منظوره ? إلى دعم البرامج والسياسات اللازمة لإعادة هيكلة الاقتصاد، بهدف إحراز نمو له، وتحسين وضع مدفوعاته في المدى المتوسط، ولتحقيق ذلك يوصي البنك الدولي باتباع سياسات تهدف إلى تحقيق ثبات في البيئة الاقتصادية، وتطوير النمو الاقتصادي، كما يروج لانفتاح الاقتصاد على الخارج.
ومن الملاحظ، أن الحزم التقليدية من سياسات الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد والبنك الدوليين، اشتملت على مرحلتين من الإجراءات والإصلاحات: المرحلة الأولى، والتي تشتمل على سياسات التثبيت الاقتصادي، وهي تلك التي تتطابق مع ما يدعو إليه صندوق النقد الدولي، فتهدف أساساً إلى خفض العجز في كل من ميزان المدفوعات والميزانية العامة، من خلال إحداث خفض في الإنفاق الحكومي والتوظيف في القطاع العام، وتعمد إلى تقليص فاتورة المستوردات، بالاستغناء أو التخفيف من المستوردات غير الضرورية، أما المرحلة الثانية، والتي تلي المرحلة الأولى زمنياً، فتهدف إلى إعادة إحراز نمو اقتصادي وضمان استدامته، بإحداث تغييرات في أنماط الإنتاج وتخصيص الموارد، وتؤكد هذه المرحلة أهمية اتباع سياسات تشمل الخصخصة وتحرير التجارة، وترك المهام التي كانت تضطلع بها الدولة وإدخالها إلى قوى السوق، ويترافق عادة مع هذه الإجراءات، خفض ضخم للدعم الحكومي وتصحيح الأسعار.
ولا شك أن للبرامج الاقتصادية الحالية وسياسات إعادة الهيكلة، عدة انعكاسات سلبية، لأن اتباع مثل هذه السياسات، لا يمثل تحدياً حقيقياً للدول المتقدمة صناعياً واقتصادياً وتجارياً، بحكم امتلاكها زمام الثورة العلمية والتكنولوجية ووسائل التقنية والمعلوماتية وغيرها، وسيطرتها الفعلية على تدفقات التجارة العالمية وهيمنتها على المؤسسات المالية الدولية والشركات العملاقة العابرة للقارات، ولكن شعوب العالم الأخرى، والتي تضم البلدان النامية، تدخـل هـذه المرحلة الجديدة من التاريخ، وهي موزعة ومشتتة بين مشاعر الأمل والقلق معاً، مدركة في الوقت ذاته حجم التحديات المفروضة، وطبيعة واقعها وضعف هياكلها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لم تتطور منذ عقود خلت، وهو ما ينذر بظهور إفرازات، ستحمل معها مجموعة جديدة ومعقدة من المصاعب والمتاعب، التي ستضاف إلى المشاكل المتراكمة والمزمنة، خاصة تلك المشاكل ذات الأبعاد الاجتماعية والإنسانية.
فالسياسات الاقتصادية المعاصرة، لا تعني بالضرورة شيوع الازدهار والرخاء لدى سائر شعوب العالم وبشكل تلقائي وحتمي، لأن من مقتضيات هذه السياسات وقوع تحول اقتصادي لصالح اقتصاديات ونظام السوق، الأمر الذي سيؤدي إلى نفاذ هذه السياسات، والقائمـة أساساً علـى إعادة الهيكلـة الرأسماليـة، والمصحوبة بتقليص الإنفاق العام للحكومات، في المجالات الحيوية الأساسية، وما يستتبعه ذلك من استبعاد لفئات هامة من القوى الاجتماعية من هيكل الإنتاج، وتراجع في حصيلة المكتسبات الاجتماعية.
وإذا كان دعاة السياسات الاقتصادية المعاصرة، يتفقون على أن لهذه السياسات أثراً في تحقيق الكفاءة والتنمية الاقتصادية، إلا أن مثل هذا الأثر يظل مرهوناً بالقدرة والكفاءة على إحداث تغيير في معظم مجالات الحياة والعمل والإنتاج، ومن ثم تعزيز القدرات والطاقات البشرية، والقدرة على التكيف مع المتغيرات في فرص السوق والمنافسة، لأن مثل هذه السياسات، تحمل مخاطراً، لا سيما في البعد الاجتماعي والإنساني، وهو ما يتطلب بحكم الضرورة، مراعاة هذا البعد لتجنيب البشرية مخاطر التهميش والمشاكل الاجتماعية، ومن المعروف أن البلدان النامية تعاني من وطأة المشاكل الاجتماعية بدرجة أكبر، وهي مشاكل شبه مستعصية، تتجلى في صورة معدلات مرتفعة للبطالة، مصحوبة بنمو سكاني غير متوازن، تصعب السيطرة عليه، إضافة إلى تفشي الأمية والفقر وضعف مردودية التعليم والتدريب والتأهيل المهني والتقني، ولذلك فقد كـان من البديهـي أن تـدرك هذه الدول النامية، أنها ليست في مجال قبول أو رفض السياسات الاقتصادية المعاصرة، التي باتت أمراً واقعاً، يفرض نفسه بفضائله وسلبياتـه على المجتمع العالمي بشكـل عام، وبالتالي فإن مثل هذا الإدراك، يجب أن يؤدي إلى القناعة، بأن العبء الأكبر في درء مخاطر مختلف المشاكل الاقتصاديـة والاجتماعيـة، يقـع على عاتق الحكومات، بإيجاد الحلول المناسبة واتخاذ الإجراءات الكفيلة التي تضمن تحقيق نمو اجتماعي يكون قادراً على مواكبة النمو الاقتصادي المطرد، فالسياسات الاقتصادية المعاصرة تؤثر تأثيراً مباشراً على الأبعاد الاجتماعية، لكونها تفتقر لهذه الأبعاد، وتغفل عواقب التدهور المستمر في قيم المبادئ والمساواة الاجتماعية، وعلى نحو تزيد من حالات التهميش والاستبعاد الاجتماعي.
ومن منظور اجتماعي بحت، فإن التخوف يظل قائماً من أن يصبح العدل الاجتماعي، الضحية الأولى نتيجة الاندفاع غير المدروس في انتهاج السياسات الاقتصادية المعاصرة، والتـي تغلـب مقتضيات النمـو الاقتصادي، على حساب المكتسبات الاجتماعية للفئات الشعبية الأكثر انتشاراً والأشد فقراً وحرماناً، وبشكل يزيد من حالات الفقر والاستبعاد الاجتماعي، وكذلك التخوف من عجز قوى السوق عن تعزيز قدرات الموارد البشرية، والتراجع عن الاهتمام بتوفير الخدمات الأساسية للأفراد، من تعليم وصحة وإسكان وشبكات الأمن والحماية الاجتماعية، إضافة إلى التخوف من امتداد ذلك التأثير السلبي إلى الطبقـات العاملـة، نتيجة الانخراط في مفاهيم المنافسة الدولية وتعظيم الأرباح، والذي سيؤدي حتماً إلى ممارسة الضغوط المتزايدة في المجالات العمالية، بهدف تخفيض كلفة الإنتاج، عن طريق إنقاص الأجور وتقليص الخدمات الاجتماعية، وإهمال العناية والرعاية للقوى العاملة، والميل إلى عدم إيجاد فرص عمل جديدة، وتقليل العمالة الحالية والحد من كثافتها انطلاقاً من القاعدة الاقتصادية القائمة على تحقيق إنتاج أكبر من السلع والخدمات، بأقل عدد ممكن من العمال.
يضاف إلى ذلك أن اتباع السياسات الاقتصادية المعاصرة، جاء في توقيت غير مواتٍ بالنسبة للبلدان النامية، وخاصة العربية منها، والتي لا تزال تعاني الكثير من السلبيات الاجتماعية، ولهذا فقد كان لا بد من وجود حكومات قوية قادرة على النهوض بالاقتصاد، وأن تأخذ بالاعتبار الطبيعة البشرية، بحيث يقع على عاتقها التخفيف قدر الإمكان، من الكلفة الاجتماعية، وخاصة في المرحلة الانتقالية، التي يكون فيها العنصر البشري، أكثر العناصر معاناة وغربة وتضرراً.
وبالرغم من اختلاف وتيرة التغيرات والتطورات بين بلد وآخر، جراء اتباع السياسات الاقتصادية المعاصرة، تبعاً لسرعة الإجراءات المتخذة وتأثيراتها وانعكاساتها الوطنية، وما يستدعيه ذلك من الحاجة إلى البحث المستمر والتقصي الميداني بهدف رصد النتائج، ورسم السياسات اللازمة والملائمة للتخفيف من الآثار السلبية للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه يمكن القول بأن هناك آثاراً سلبيـة، بدأت العديد من البلدان تعاني منها في مختلف نواحي الحياة، لا سيما الاقتصادية منها والاجتماعية.
ففيما يتعلق بالآثار الاقتصادية السلبية التي بدأت تعاني منها العديد من دول العالم الثالث، وخاصة الدول العربية، فإن تطبيق السياسات الاقتصادية المعاصرة في هذه الدول، يحمل معه الكثير من التحفظات، باعتبار إعادة الهيكلة الرأسمالية تقوم على وجود أسواق تنافسية كفؤة، وهي أسواق بطبيعة الحال، ليست قائمة في غالبية الدول العربية، وبالتالي فإن آلية تحرير الأسعار، بوصفها أهم أركان التنافسية، لا تعمل بكفاءة، وهو ما سيؤدي بلا شك، إلى قيام اختلالات واضحة في أسواق هذه الدول، تعود بأثرها السلبي على اقتصادياتها، والواقع أنه يتعين في كثير من الدول العربية -ولغايات العمل في إطار إعادة الهيكلة الرأسمالية- خلـق الأسواق الحـرة، وتوفير متطلبات عملهـا بكفاءة، وضبطها لضمـان تحقيـق الصالح العام، وهي أدوار مهمة للدولة، تظهر مدى المفارقة في التوصية، بتخلي الدولـة عن دورها في الاقتصاد، باعتبار أن عمل مثل هذه الأسواق يحتاج إلى تطوير وضبط من قبل الدولة، ومن جهة أخرى فإن آلية الأسعار، لا تعنى بقضية توزيع الدخل والثروة، لغياب دور الدولة في مجال العدالة التوزيعية، وهو ما يؤدي إلى استشراء الفقر، وتفاقم سوء التوزيع في المجتمعات، وما يستتبعه ذلك من تردٍ في الإنتاجيـة الكلية، كذلك فإن إعادة الهيكلة الرأسمالية، لا تُعنى بمسألة التنمية البشرية، بمعنى أنها لا تُعنى بتعظيم القدرات والطاقات البشرية والإنتاجية، بل تهدف إلى مجرد النمو الاقتصادي، وهو نمو يبقى منقوصاً ولن يكتب له النجاح بدون التنمية البشرية الشاملة والمستدامة بمفهومها الواسع، الذي يضم النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
من جهةٍ أخرى، فإن ضعف الاقتصادات العربية، وتراجع إمكانياتها في رفع معدلات النمو في أواخر القرن المنصرم، نتيجة حرب الخليج وانخفاض أسعار النفط، أديا إلى زيادة تأثرها السلبي بالمتغيرات الاقتصادية العالمية، حيث أصبحت تعاني من أزمات خانقة نتيجة المديونية العالية، وبطء معدلات النمو وارتفاع معدلات الزيادة السكانية وازدياد نسبة البطالة، وهو ما جعلها مهددة بكوارث اجتماعية، تعيق برامج التطور والتنمية، وتعيق حتى النمو الاقتصادي بحد ذاته.
وعليه، فغالبية شعوب العالم الثالث، ومنها الشعوب العربية، ستدفع ثمناً باهظاً لسيادة النسق الرأسمالي على صعيد العالم، وإطلاقه دون ضبط، نتيجـة لإعادة هيكلة اقتصاداتها، علـى صورة متخلفـة ومشوهـة للغـرب الرأسمالي، الـذي تسود فيه قوى السوق ورأس المال وحافز الربح بحرية، بحيث تنذر التطورات المتوقعة من اتفاقية التجارة الدولية، بتفاقم ضعف كثير من بلدان العالم الثالث، في مضمار الاقتصاد العالمي، ولا غرابة في ذلك، فغالبية بلدان العالم الثالث تدخل الساحة الدولية، فرادى تابعة وبحالة من التشرذم والضعف، وبصورة لا تقوى فيها على المنافسة ودخول معترك السوق الحر، سيما وأن اقتصاداتها ترتبط بمراكز النظام الاقتصادي العالمي، نتيجة تضخم السيولة الدولية الناجمة عن توافر عائدات النفط الهائلة، وتدفقها إلى المؤسسات المالية الدولية، وقيام هذه الأخيرة بتسهيل الإقراض لدول العالم الثالث، التي استمرت بدورها في الاستدانة، حتى وقعت في فخ المديونية الثقيلة.
أما فيما يتعلق بالآثار الاجتماعية السلبية الناشئة عن إعادة الهيكلة الرأسمالية في غالبية الدول النامية، فقد ترتب على مثل هذه السياسات الاقتصادية المعاصرة نتائج اجتماعية عميقة وفورية، كان أولها إعلاء دور رأس المال في النشاط الاقتصادي، وإقصاء الدولة عن الكثير من المهام التي كانت تتولاها، وخاصة في مجال الخدمات والتنمية البشرية، وهو ما استتبع حتماً محاباة رأس المال على حساب العمل، وتأكيد سيطرة الأول على الثاني، الأمر الذي أدى إلى استشراء البطالة السافرة والغلاء والفقر وتفاقم سوء توزيع الدخل والثروة، إذ لا شك في أن تنفيذ هذه السياسات، تترتب عليه تكلفة اجتماعية نتيجة للانكماش الاقتصادي، خاصة مع بدء تنفيذها، وهذا الأمر يؤدي إلى زيادة البطالة، وخفض المداخيل الفردية وخفض الإنفاق على الاستهلاك، كما أن تنفيذ هذه السياسات، يؤدي إلى خفض الدعم للسلع الاستهلاكية، وبالتالي تتدنى المداخيل الحقيقية، كذلك فإن إعادة هيكلة المؤسسات العامة، تؤدي إلى الاستغناء عن بعض العاملين فيها، إضافة إلى ما تتطلبه هذه السياسات من خفض للإنفاق على النواحي الاجتماعية من قبل الدولة، وخاصة في مجالات الصحة والتعليم والنقل وغيرها من الخدمات الهامة.
ويمكن القول أن أكثر الآثار السلبية لانتهاج السياسات الاقتصادية المعاصرة الناشئة عن إعادة الهيكلة الرأسمالية، سوف ينعكس على قطاع العمل من مختلف جوانبه، وهـو بـلا شك قطـاع تتأثر بتأثره كافـة النواحي الاجتماعية في المجتمع، بوصفه القطاع الذي يضم أكبر شرائح المجتمع عدداً على الإطلاق، ولعل أهم الآثار السلبية التي تصيب هذا القطاع، تتجلى بتلك التي تنعكس على مستويات العمل، وعلى وجه الخصوص في حق العمل ذاته، والذي حرصت كافة المعاهدات والمواثيق الدولية والإعلانات العالمية على حمايته، وكرسته سائر الدساتير والتشريعات الوطنية، عندما اعتبرت أن لكل مواطن قادر الحق في العمـل المنتـج، الذي يمكنه من أن يكسب عيشه، وأن يحيا حياة كريمة، وأن على الدولة واجب تهيئة فرص العمل، عن طريق خطط وبرامج التنمية، بما يضمن حق العمل لجميع المواطنين، فهذا الالتزام الملقى على عاتق الدولة، بدأ بالتراجع نتيجة إقصاء الدولة وتهميش دورها في التنمية، باعتبار أن من أولى مراحل إعادة الهيكلة الرأسمالية مرحلة التثبيت الاقتصادي، والتي تهدف إلى خفض الإنفاق الحكومي، بما يشمله ذلك من خفض في التوظيف في القطاع العام، والتخلي عن سياسة تعيين الخريجين والتخلي عن سياسات الدعم الحكومي للسلع الأساسية، وتقليص الإنفاق على الخدمات العامة، ونتيجة لذلك فقد ازدادت البطالة في صفوف القادرين على العمل، وهو ما أنذر وينذر بكوارث اجتماعية لا يمكن تدارك نتائجها، كذلك فقد انعكست الآثار السلبية لإعادة الهيكلة الرأسمالية على برامج الإعداد والتدريب المهني للعمال، والتي كانت محل اهتمام كبير لمعظم الحكومات انطلاقاً من الإيمان التام بأن مسألة التدريب المهني، تعد من متطلبات نجاح خطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه ومع البدء بتنفيذ سياسات إعادة الهيكلة، بدأ الاهتمام بهذه المسألة يتراجع بشكل ملحوظ، لاعتبارات تتعلق بتخفيف النفقات العامـة للدولة، وتخفيف مجالات الدعم الاجتماعي، وهو ما أدى إلى تأثر استمرارية وتوسع مراكز ومعاهد التدريب المهني والتراجع في تطوير برامجها وخططها، إضافةً إلى ذلك، فقد كان لسياسات إعادة الهيكلة الرأسمالية، انعكاساتها السلبية على قضايا الأجور، فبعد أن كانت الحكومات تضع أنظمة لتحديد الأجور بشكل يضمن سد حاجات العمال الأساسية، وتحرص على تنظيم الأساليب الكفيلة بحمايتها وتقاضيها دونما انتقاص، أصبحت الآن معظم الحكومات تعمل على التخفيف من هذه الحماية للأجور، أو في أحسن الظروف تبقي على تلك الأنظمة الحمائية، ولكن دون ان تعمل على تفعيلها وتوظيفها في خدمة الغاية، التي وضعت من أجلها، وهو اتجاه سارت عليه معظم الحكومات كنتيجة لما تتطلبه سياسات إعادة الهيكلة، وانسجاماً مع وصفات البنك الدولي، الذي يرى أن سياسة الحد الأدنى للأجور، تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وبالتالي إلى تقليص الطلب على العمالة، كما يرى أن الأجور في القطاع الحكومي والعام، مرتفعة نسبياً، بالمقارنة مع مستوى الأجور في القطاع الخاص، وهذا الارتفاع ? إضافة إلى أنه يزيد من إنفاق الدولة ? يؤدي إلى رفع متوسط الأجور في المجتمع ويزيد من تكاليفها، ومن الناحية العملية، فإن سلسلة الآثار السلبية الناتجة عن سياسات إعادة الهيكلة الرأسمالية، وخاصة ما تعلق منها بالبطالة واتساع دائرة الفقر، كان لها ارتباط أيضاً وأثر على مسألة الأجور، لأن انتشار البطالة واتساع دائرة الفقر، إنما يشكلان عامـل ضغط على مستويات الأجور، حيث تؤدي المنافسة الشديدة بين صفوف العاملين على العمل إلى تخفيض مستويات الأجور، إذ يدفع الخوف من البطالة العمال إلى القبول بأجور أدنى، أو وظائف أدنى مستوى وأقل أجراً. كما يضغط الفقر أيضاً باتجاه تخفيض المستوى المعيشي للفئات محدودة الدخل والفقراء، بحيث يصبح الحد الأدنى للأجر مقبولاً من العمال، رغم انخفاضه إلى مستوى خط الفقر أو ما دون ذلك، يضاف إلى ذلك أن اتجاه الحكومات لإلغاء الدعم للسلع الأساسية، وتقليص الإنفاق على الخدمات العامـة، وتحويل بعضها إلى خدمات مأجورة بأسعار السوق، كل ذلك يؤدي إلى زيادة في نفقات الأسر، مقابل الحصول على تلك السلع والخدمات، بحيث تصبح تكاليف المعيشة أكبر، في الوقت الذي يثبت فيه الأجر، وهو ما يعني انخفاضاً فعلياً لقيمة الأجر الحقيقي، الذي كانت النفقات الحكومية تدعمه بشكل غير مباشر، ومن خلال تلك الآثار السلبية التي أصابت الأجور، فإنه يتبين مدى انعكاسها سلباً على واقع الحياة الاجتماعية للأفراد، الذين باتوا مهددين بالبطالة والفقر وغيرهما من الكوارث الاجتماعية المخيفة، ومن جهة أخرى، فقد أدى التفاوت الواضح بين مستوى الأجور وتكاليف المعيشة في العديد من الدول وخاصة العربية، إلى إضعاف الإنتاجية والتراجع في مستوى التنمية البشرية، وهو وضع يتطلب بلا أدنى شك إعادة النظر في السياسات العمالية عموماً، وسياسات الأجور على وجه الخصوص، لجعلها أكثر ملاءمة للواقع الذي نعيش فيه اليوم، والذي أفرزته السياسات الاقتصادية المعاصرة وانتهاج سياسة إعادة الهيكلة الرأسمالية.
ومن ناحية أخرى، فقد كان لتنفيذ السياسات الاقتصادية المعاصرة وإعادة الهيكلة الرأسمالية، أثر في حدوث تحولات جذرية وعميقة في طبيعة العمل والإنتاج وعلاقات العمل، ذلك لأننا نعيش اليوم جواً تنافسياً، أدى إلى حدوث تغييرات متعاقبة في الهياكل الإنتاجية الصناعية والزراعية والخدمية، وفي تنظيـم العمـل وعلاقاتـه، وفي المهارات المطلوبة لأداء المهام الجديدة.
فتغير أنماط الإنتاج في العالم، اقترن باستخدام التكنولوجيا الجديدة، التي قللت من الميزة النسبيه للعمالة، وخاصة الرخيصة منهـا، إذ عمدت معظـم المشروعات، ولغايات تعظيم قدرتها على المنافسة، ودر الأرباح، إلى التوفير في تشغيل العمالة واستبدالها بتقنيات تستلزم توفير نوعية معينة من اليد العاملة المدربة والمؤهلة، بمستوى متقدم لم يكن متوافراً في السابق، وهو ما أسفر عن تغيرات جذرية في هياكل الإنتاج، كانت ضحيتها الأولى الأيدي العاملة، في الوقت الذي حصل فيه تغير كبير في الأهمية النسبية لعوامل الإنتاج، حيث جرى استبعاد المنتجات والعمليات الإنتاجية ذات الكثافة في الأيدي العاملة غير الماهرة، وفي المواد الأولية والطاقة، لصالح منتجات وعمليات كثيفة في رأس المال أو المعرفة التكنولوجية، كما أن المشروعات المختلفة، ولاعتبارات الرغبـة في المنافسة الدولية، أصبحت تسير نحو تحديث أدوات عملها وإنتاجها، لزيادة إنتاجيتها ولتحقيق وفورات مالية، غالباً ما تكون على حساب عنصر العمل.
وبعبارة أخرى، فقد كان لإعادة الهيكلة الرأسمالية، بما تحمله من إصرار على الاهتمام بالتنمية الاقتصادية دون غيرها، ولو كان ذلك على حساب التنمية الاجتماعية، الأثر الكبير في جنوح المشروعات المختلفة نحو هدف أوحد، يتمثل في زيادة القدرة على المنافسة، وتحقيق أكبر قدر من الربحية والعائدات المالية، دون الاكتراث بالبعد الإنساني، الذي قد يصيب العمالة وينذر بوقوع أشد المآسي الاجتماعية ضراوة والتي تمتد إلى البناء المجتمعي بأسره، وينال من الأهداف التنموية بما فيها التنمية الاقتصادية ذاتها، حيث بدأت المشروعات في إحداث تغييرات تكنولوجية وتنظيمية في هياكلها، بغية تحقيق الهدف المذكور، وهو ما أدى إلى تغييرات حتمية في تحديد وظائف المستقبل، التي أصبحت تتطلب مهارات وكفاءات لم تكن في الحسبان من قبل، وهذا بطبيعة الحال يتطلب إمكانات وبرامج تدريبية هائلة، لا تزال العديد من دول العالم الثالث، وخاصة العربية منها، عاجزة عن توفيرها وتلبية احتياجاتها، يضاف إلى ذلك أن تحديد وظائف المستقبل واشتراطها مهارات وخبرات عالية المستوى، سيؤديان إلى سحق شريحة كبيرة جداً من العمالة، والتي توصف بالعمالة غير الماهرة، والزج بها في براثن البطالة والفقر، فضلاً عن ذلك، فإن العديد من المشروعات، أصبحت تعتمد على تناقص النسبة الرئيسية من العمال المثبتين في وظائفهم بشكل دائم، وتعمل على تنمية نسبة العمال المؤقتين، أو أولئك الذي يعملون بعمل محدد أو بمدة معينة، هروباً من تلك الحماية التـي توفرها التشريعات العمالية للعمال المثبتين فـي وظائفهم بشكـل دائم، باعتبار ذلك - وحسب منظورهم- يؤدي إلى زيادة في النفقات، وبالتالي ارتفاع تكلفة الإنتاج، وعدم القدرة على الانطلاق في عالم المنافسة.
من خلال ما سبق ذكره من آثار اجتماعية سلبية ناتجة عن إعادة الهيكلة الرأسمالية، وغيرها من الآثار الأخرى، فإنه يتضح أن تنفيذ هذه السياسة، لا يمكن اعتباره مجرد تعديلات اقتصادية بحتة، وإنما يجدر أن يكون إعادة هيكلة شاملة، تطول تبعاتها مناحي الحياة كافة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وهو ما يمكن أن يكون بانتهاج سياسة اقتصادية متوازنة، تتزامن فيها الإنجازات الاقتصادية مع الحرص على التوازنات الاجتماعية، وهي معادلة ?بلا شك- صعبة ودقيقة، يتعين السيطرة عليها والعمل على تحقيقها، خدمة لأهداف التنمية البشرية الشاملة والمستدامة، من خلال القناعة والإيمان المطلق، بأنه لا سبيل لتحقيق تنمية اقتصادية بمفردها دون الحديث عن تنمية شاملة، تصيب كافة أوجه الحياة، لا سيما الاجتماعية منها.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }