في عمان نجلس على احد المقاعد المريحة في دوار باريس في جبل اللويبدة.. حيث تأخذنا الذكرى عبر المكان والاسماء في مسيرة من التأمل لتاريخ قديم مفعم بالعز والكرامة والنضال للحديث عن تلك الشخصية الفذة ''محمد علي العجلوني'' وهو المجاهد العربي والقائد الاردني الشهير الذي حارب العدو الفرنسي في معركة ميسلون البطولية.. فقد كان علما من ابطالها المعروفين بحب العرب والتراب العربي اينما كان وفي تلك المعركة كبد العدو هو ومجموعته حوالي 220 قتيلا.
فأية مفارقة تلك التي غيرت اسم ميدان العجلوني العربي الى ميدان فرنسي؟! لكن كل شيء في تغير مع السنين الطويلة.. ففرنسا المحتلة والاستعمارية تحولت الى وجه مشرق كبلد للفن والثقافة والحرية بعد عهود الاستعمار السيئة.
فمن هو (محمد علي العجلوني)؟! انه من احد الشخصيات الاردنية العامة التي ظهرت في فترة نهوض الحركة العربية والتي بدأت قبل 100 عام أي في عام 1908 وكانت تلك الحركة العربية بمثابة الجواب على الحركة الطورانية في الدولة العثمانية.. انها سنوات طويلة مليئة بالحوادث والدماء والشهداء والبذل والبطولات.. ومليئة بوثبات امة تشتري بنقد النفوس والارواح وتطلب الموت لتوهب الحياة.
ومحمد علي العجلوني هو رجل عسكري كان ضابطا في الجيش العثماني.. فلما اشتعلت ثورة الحسين بن علي، واقترب بجيشه العربي من مشارف الشام فر من الجيش العثماني والتحق بالامير فيصل وكان من رجاله ومقاتليه حتى دخل فيصل دمشق، وكان رئيس حرسه الخاص في دمشق، وبعد ان بايعت الامة العربية فيصلا ملكا على سوريا في 8 آذار عام 1920 واشترك العجلوني بصفته قائد الحرس الملكي في معركة ميسلون الشهيرة.
ومما جاء في مذكرات العجلوني والتي ظهرت في الخمسينات من القرن الماضي نقرأ: ''وعند بزوغ الفجر وصلنا ميسلون واحتللنا الخنادق المحصنة تحصينا فنيا.. فوزعت الجنود على خطوط ثلاثة.. وعينت اماكن المدفعية الرشاشة، وجعلت المتطوعين يحتلون المواقع بين الفئات النظامية على ابعاد متقاربة.
وعند طلوع الشمس دوت المدفعية ايذانا ببدء المعركة.. وجاء يوسف العظمة وطلب مني ان يأخذ معطفي العسكري.. وبعد ان ارتداه قال: سامحني به وكرر كلمة الوداع وعيناه حمراوان.
وشتد قصف المدفعية وبدأت معركة المشاة واخذت الدبابات تزحف في الطريق العام، ومن ورائها كتائب الفرسان.. ونهاية المعركة غير المتكافئة!! معروفة حيث استشهد القائد العربي السوري يوسف العظمة بعد ان ابلى بلاء رائعا وكل قواته وقوات الابطال الاخرين الذين جاءوا من ديار العروبة في الشرق العربي.
اما عن بدء اشتراك محمد علي العجلوني في (الثورة العربية الكبرى) تحت قيادة الهاشمي الحسين بن علي شريف مكة آنذاك فقد ورد في مذكرات العجلوني مثلا ما يلي: ''وفي تلك الليلة نفسها نزعت ملابسي العسكرية العثمانية وابدلتها بأردية رثة مهلهلة كي لا يطمع بي قُطاع الطرق.. واصطحبت شابا من بني حسن اسمه (مطر).. وبدأت رحلتي متنكرا بهذا الزي قاصدا اقرب ميادين الثورة في جنوب الاردن.. نتخلل منازل البدو.. ونجتازها بحذر، فمررنا بعمان وخرجنا منها برفقة رجل من عشيرة الخرشان يمتهن بيع الملح في سوق عمان وواصلنا السير معا مشاة الى شرق قصر المشتى حتى استقبلتنا الصحراء.. واستقبلناها وهي الأم الرؤوم.. فتنفست الصعداء وشعرت بالاطمئنان الكامل ونزلنا ضيوفا في خيمة هذا الرجل المرقعة، فقدم الينا طعام عشاء وهو عبارة عن قطعتي خبز جافتين مع الماء.
وعلمنا منه ومن بعض جيرانه ان الشيخ مفلح القمعان احد شيوخ بني صخر ذهب الى الجنوب وقابل الامير فيصل بن الحسين وعاد محملا بالهدايا، وان بعض الشيوخ يقصدونه في مضاربه للتشاور معه.
وعزمت على الذهاب الى منازل عشائر الزين لاستوثق من تلك الاشاعات، ولعلني استنير في طريقي بضوء معلوماته.
وبالعودة الى نشأة محمد علي العجلوني منذ صغره فان المعلومات تقول: ''ولد في عنجرة احدى قرى عجلون سنة 1893 وبدأ دراسته في الكتاتيب ومنها كُتّاب كان يديره والده المتعلم.. ثم انتقل الى المدرسة الحكومية في بلدة عجلون مركز الناحية.. بعدها ذهب العجلوني الى دمشق لتحصيل العلم ومن ثم ذهب الى الازهر في القاهرة.. ولم يتمكن من اتمام تعليمه بسبب نشوب الحرب العالمية الاولى في العام 1914 فالتحق بالخدمة العسكرية.
وبعد ان استقر الامير عبدالله في الاردن واسس الامارة عام 1921 عين العجلوني قائدا للدرك في منطقة البلقاء، وشارك العجلوني في مرحلة بناء شرق الاردن كدولة حديثة تأخذ باسباب النظام، وبقي محمد علي العجلوني يعمل في الجيش حتى بلغ رتبة مساعد قائد الجيش.. وكان من المعروف انه كان يستعين بوظيفته ومنصبه لمساعدة الثوار والمجاهدين الفلسطينيين اثناء مرورهم في الاردن.
وحول عمان فقد كانت تُشبه في ذلك الوقت انقرة التركية: ''فبعد مقدم سمو الامير عبدالله بن الحسين الى الاردن من بلاد الحجاز.. اطلق الناس على عمان اسم انقرة الثانية، فقد كانت عمان على صغرها اول امرها وقلة اسباب الراحة فيها.. تزدحم بالوافدين من الامصار العربية فيشعر الاحرار واللاجئون والسياسيون منهم بجو الحرية بعيدا عن متناول ايدي الظالمين''.
وهكذا فقد كان محمد علي العجلوني مع قادة وزعماء الثورة العربية الكبرى الاخرين مجاهدا ابلى ما املت عليه عروبته ونخوته ودينه مكافحا في ميادين القتال المتعددة لتحرير البلاد العربية من الظلم ولرد الارض والحرية لاصحابها المستحقين.. ولقد شغل العجلوني عندما استراح من العسكرية عدة مناصب دبلوماسية وسياسية.. فقد عمل في عدة احزاب عربية.. وعندما استقر في عمان شغل مناصب هامة في السفارات الاردنية.. ثم اصبح وزيرا للداخلية الاردنية في عهد الملك طلال بن عبدالله ثم عيناً في مجلس الاعيان الاردني.. الخ.
ولا بد اخيرا من الترحم على العجلوني فقد فارقنا قبل عدة عقود في عمان وسنظل نستذكره كمجاهد وطني عربي كبير ومميز.