محمود طافش الشقيرات* - تجاوزت المدرسة الحديثة الأساليب التقليدية في التعليم، وانطلقت إلى آفاق أوسع، واستخدمت استراتيجيات مثيرة لتعليم الطلبة التفكير؛ لإحداث تغيير إيجابي في سلوكهم وفي طرائق تفكيرهم.
ولعل من أبرز أهداف التربية والتعليم في القرن الحادي والعشرين هو ذلك الهدف المتمثل في تنمية التفكير والإبداع لدى المتعلمين، في جميع المراحل التعليمية ابتداءً من الروضة وانتهاءً بمرحلة الدكتوراه.
وتتكامل استراتيجيات التدريس الحديثة لتحقيق أهداف المدرسة المبدعة، وتتكاتف أساليب الاستقصاء، والتفكير الناقد، وحل المشكلات، والعصف الذهني وغيرها، لتحرير العقول من قيودها وتحطيم أغلالها، وللعمل على تحقيق الهدف السامي الذي تنشده وتتطلع إليه قلوب المخلصين.
وتعد استراتيجية العصف الذهني من الاستراتيجيات المهمة التي تساعد على تحقيق هذا الهدف، لذلك تسعى المؤسسات التربوية الرائدة لتدريب المعلمين والمتعلمين على كيفية الاستفادة منها في كل المراحل العمرية وعبر جميع المقررات الدراسية، ولن يستطيع المتعلمون الاستفادة من هذه الاستراتيجية إلا إذا كان المعلمون قادرين على تدريبهم على توظيفها.
وسبب اختياري لهذه الاستراتيجية هو أني، وأثناء زيارتي لأحد صفوف الرابع الأساسي في إحدى مدارسنا، قد رأيت وسمعت ما أثلج صدري، وأكدَّ لديّ بأنّ الطفل الأردني لا يقل عن غيره من أطفال العالم قدرة على التفكير والإبداع، بل هو بالتأكيد سيتفوق عليهم.
كان الدرس يدور حول معلم من آثارنا التاريخية، وفي مرحلة التقويم سألت المعلمة سؤالاً سابراً هو بالتأكيد أكبر من أن تستوعبه عقول الأطفال الصغار ومع ذلك فقد كانت إجاباتهم عليه مذهلة، وفي لحظة واحدة تحوّلت المرحلة الأخيرة من الدرس إلى جلسة للعصف الذهني تمنيت لو تطول. فما المقصود بالعصف الذهني ؟ وكيف يمكن للمعلم توظيفه ؟
مفهوم العصف الذهني
العصف الذهني أو القصف الذهني أو التفاكر هو عملية تفكيرية يقوم بها مجموعة من الأفراد وتهدف إلى تبادل الآراء وتلاقح الأفكار؛ لتوليد آراء وأفكار جديدة في جو من الحرية التامة، بقصد إيجاد حلول لقضية مطروحة على بساط البحث، أو إحداث تطوير إيجابي لمشروع قائم، على أمل الوصول به إلى مرحلة الإبداع .
وتمتد جذور التفاكر لأكثر من أربعة آلاف سنة؛ حيث كان رجال الديانة الهندوسية يوظفونها في تعليم تلاميذهم التفكير، ثم قام أوزبورن Osborn بنفض الغبار عنه وتطويره لتوظيفه في مؤسسته عام 1938م.
وتتولد أهمية هذه الاستراتيجية من كونها:.
1. عريقة وذات جذور ضاربة في أعماق التاريخ لأكثر من أربعين قرناً.
2. ذات فاعلية كبيرة في تحفيز عقول الأطفال لتوليد أفكار جديدة.
3. يمكن توظيفها لتحقيق هدف التربية الكبير والمتمثل في تربية عقول مبدعة قادرة على ابتكار أشياء جديدة، كما يمكن الاستفادة منها في شتى ميادين الحياة كالتجارة والصناعة.
إضافة إلى أن العصف الذهني عملية :
4. مسلية؛ بسبب احتواء بعض الآراء على أفكار غريبة.
5. سهلة؛ لعدم وجود قيود على إنتاج الأفكار.
6. علاجية؛ حيث يدلي كل متحدث برأيه دون مقاطعة من أحد.
7. تدريبية؛ لأنه يساعد على استثارة الخيال كتدريب على عمليات التفكير الإبداعي.
وتلقى هذه الاستراتيجية القبول من المتعلمين لأنها تمكنهم من طرح أفكارهم دون خوف، وذلك بسبب عدم السماح بالنقد.
مراحل وخطوات العصف الذهني
يستطيع قائد الحلقة تنفيذ عملية العصف الذهني وفق المراحل والخطوات الآتية:.
المرحلة الأولى؛ وفيها يتم :
ـ اختيار المشكلة التي ستكون موضوع الحوار، ويراعى فيها أن تكون ذات أهمية لغالبية الطلبة المشاركين في النقاش.
ـ توضيح هذه المشكلة من خلال حزمة من الأسئلة، وإعادة صياغتها بصورة أكثر تحديداً.
ـ اختيار رئيس الجلسة ومقررها.
ـ التهيئة لبدء العمل؛ حيث يقوم رئيس الجلسة بتذكير المشاركين بقواعد الحوار البناء، مثل :.
ـ السماح بسماع جميع الآراء مهما كان نصيبها من الصحة ضئيلاً.
ـ عدم السماح بمقاطعة المتحدث، ولا بنقد أو تقييم أفكاره.
ـ إمكانية الاستفادة من أفكار الآخرين وتطويرها.
ـ إعطاء فرصة كافية لمقرر الجلسة لتدوين الأفكار المطروحة.
المرحلة الثانية؛ ويتم فيها مناقشة أبعاد المشكلة لاستمطار الأفكار التي يمكن أن تكون حلاً لها.
المرحلة الثالثة؛ وفيها يتم :
- تقييم الأفكار المطروحة وتصنيفها وتطويرها في ضوء بعض المعايير مثل : الجدة، الأصالة، المنفعة، منطقية الحل، التكلفة، مدى القبول، المدة الزمنية اللازمة للتنفيذ.
ـ اختيار الحل الأفضل، والاتفاق عليه.
وفيما يلي مجموعة من العوامل التي تساعد على إنجاح عملية التفاكر، من أبرزها :
1. إخبار المشاركين بموضوع الجلسة قبل انعقادها.
2. أن يعمل المشاركون بروح الفريق الواحد وباحترام متبادل.
3. الاصغاء باهتمام إلى جميع المتحدثين.
4. دوين الأفكار المطروحة بعناية .
ويحسن بقائد الحلقة أخذ الملاحظات الآتية بعين الاعتبار قبل تفعيل جلسة العصف الذهني :
أن يشرح للمتعلمين معنى التفكير والإبداع، وكذلك مهارات التفكير المؤدية إلى الإبداع.
ـ أن يوضح لهم أهمية التفكير في تحقيق التميز والإبداع.
ـ أن يكون هو وطلبته على دراية تامة بمبادئ ومراحل وخطوات العصف الذهني.
ـ ترتيب مقاعد الطلبة على هيئة نصف دائرة يقف القائد في مركزها.
وبناءً على ما سبق، فإنه من الأهمية البالغة تدريب المعلمين على توظيف استراتيجية العصف الذهني في جميع المراحل الدراسية من الروضة وحتى الجامعة، وفي جميع المقررات الدراسية، تدريباً حقيقياً قائماً على فهم حقيقي للتفكير الإبداعي ومهاراته قبل الخدمة وأثنائها، بحيث تمثّل جلسة العصف الذهني موقفاً تعليمياً يهدف إلى تدريب الطلبة على توليد الأفكار التي تمكنهم من التعامل مع مختلف قضايا الحياة بوعي.
* مشرف تربوي بمدارس الحكمة والكرامة