قبل خمسين سنة وفي اليوم الاول من شهر تشرين الثاني عام 1954 انطلقت الثورة الجزائرية، واصدرت جبهة التحرير الوطني الجزائري بيانا اعلنت بموجبه الدعوة لاعادة اقامة الدولة الجزائرية، وبالرغم من ان الجيش الفرنسي آنئذ استخدم كل ما لديه من قوة وجبروت وبطش، وبالرغم من انه تمكن من هزيمة الثورة عسكريا (وان بصورة مؤقتة). وبالرغم من ان الجيش الفرنسي اقام عام 1957 جدارا عازلا على حدود الجزائر مع تونس والمغرب، بالرغم من ذلك انتصرت الثورة بعد اقل من ثماني سنوات عندما مهدت اتفاقية اي÷يان الطريق لاستقلال الجزائر.
الذي اوجب الحديث عن موضوع طواه الزمن قبل نصف قرن ليس شح المواضيع التي تقض ابناؤها مضاجعنا، ويصم ضجيجها اسماعنا كل لحظة، بل لأن ما يجري في فلسطين هذه الايام ومنذ ما يزيد على نصف قرن ايضا يكرر الى حد كبير ما جرى في الجزائر، ويطرح السؤال، هل ستكون النتيحة مطابقة هذا ما كتبه الباحـث رون دوداي (Ron Dudai) ودافنا بارام Daphna Baram في الغارديان في 30/10/2004.
ويقول المؤلفان في معرض المقارنة بين الثورة الجزائرية والانتفاضة الفلسطينية وبين سلوك الجيش الفرنسي وسلوك الجيش الاسرائيلي، وبين سلوك المستوطنين الفرنسيين وسلوك المستوطنين الاسرائيليين، «ان اسرائيل التي تغرق اكثر واكثر في مغامرتها الاستعمارية في الضفة الغربية وغزة المحتلتين، نستطيع ان نتعلم من التجربة الجزائرية دروسا هامة».
ويضيف الكاتبان ان اكثر الجدل يدور حاليا حول قدرة اسرائيل على اخلاء المستوطنين بالقوة، في ضوء ما يتردد عن المعارضة الشرسة التي يبديها المستوطنون لدرجة التهديد بالتسلح وبمواجهة الجيش وايصال الامور الى حد الحرب الاهلية ولكن التجربة الجزائرية تؤكد كما ورد في مقال الغارديان، ببساطة ان الحكومة قادرة على تنفيذ قراراتها وسياساتها عندما تقرر ذلك.
تنوه المقارنة بان المستوطنين اليهود يربطهم بالارض رباط ديني، وفي الجزائر التي بدأ المستوطنون يغرسون جذورهم فيها منذ القرن التاسع عشر لم يكن ارتباطهم بالارض اقل قوة حيث كانت الجزائر تعتبر من وجهة نظر فرنسا مقاطعة فرنسية، ولم يكن اي مستوطن يعتقد بوجود مؤقت فيها.
ومع ذلك يقول الكاتبان ان المستوطنين اليهود ليسوا في غالبيتهم بالضرورة من المتدينين بقدر ما هم منتفعين ساعين للكسب والربح وان اخراجهم بالتعويض وبالقرار الرسمي الحاسم لن يكون صعبا على الاطلاق، كما لم يكن صعبا في الجزائر من قبل. ذلك بالرغم من ان مستوطني الجزائر هددوا كما يهدد مستوطنو اسرائيل بالمقاومة و شكلوا بالفعل جماعات مسلحة وتبادلوا اطلاق النار مع الجيش وحاولوا اغتيال شارل ديغول ومع ذلك خرجوا عندما قررت الحكومة ان عليهم ان يخرجوا.
ثمة درس اخر يجدر باسرائيل ان تستخلصه من التجربة الفرنسية بحسب المقال، وهو عبثية التشبث بامكانية سحق حركة تحرير وطنية بالقوة العسكرية. وورد في المقال ان فرنسا بالامس، مثل اسرائيل اليوم استخدمت ابشع اساليب البطش والقوة من اجل السيطرة على الثورة، واستنجدت بالمخبرين والمتعاونين وعذبت المشبوهين ودمرت المنازل، وادعت مثل اسرائيل بانها ضحية لارهاب الجزائريين في معرض تبرير اجراءاتها القسرية امام المجتمع الدولي، ولكن كل ذلك لم يؤد الا الى ضراوة المقاومة والتفاف العطف الداخلي والدولي من حولها.
وكانت النتيجة في النهاية، النتيجة التي توصلت لها فرنسا ان النصر العسكري هو شيء بينما النصر السياسي هو شيء مختلف تماما، لقد كان بامكان فرنسا ان تنتصر عسكريا ولكنها لم تكن قادرة على ترجمة النصر العسكري الى نصر سياسي.
ولم تكن تلك هي تجربة فرنسا في الجزائر فقط، بل هي تجربة كل حركات التحرير التي لم تنته الا بالنصر. والتجربة الاقرب وربما الاكبر هي ما شاهدناه حديثا في جنوب افريقيا حيث فاق بطش حكومة الاقلية البيضاء كل سابقة ولكن ا لمصير كان نفس المصير الهزيمة.
لماذا سيكون الامر مختلفا في فلسطين؟ لقد استخدمت اسرائيل على مدى نصف قرن كل ما في جعبتها من وسائل القمع والبطش والتنكيل والاذلال والتدمير.
ولكن الثورة ما تزال مشتعلة. وقد بنت اسرائيل جدارا كما فعلت المدن والدول في العصور الوسطى. وهي تفكر في حفر خنادق تملأُها بالماء لعزل غزة عن مصر كما فعلت المدن في العصور الوسطى ايضا ولكن النتيجة واحدة. ولم تنجح كل هذه الاساليب في منع قنبلة بشرية مصممة من ان تجد طريقها الى قلب تل ابيب قبل اقل من يومين.
نتساءل، كما يتساءل الكاتبان كم من الدم العربي والاسرائيلي سيهدر قبل ان تتعلم اسرائيل درس الجزائر وغيره من دروس التاريخ.