رمضان ما بين «اللد» و «الزرقاء»
12:00 29-10-2004
آخر تعديل :
الجمعة
رمضان ما بين «اللد» و «الزرقاء»
«لللد» مهرتها و «للزرقاء» مهرتها و «لرمضان» كل مهراتي الجموحة ما ان يهل هلال رمضان حتى نعود اطفالا تهدهدنا احضان الامهات والجدات، اطفالا تبتلعنا أزقة البيوت وعتباتها. وما ان تطفئ الشمس مع كل عروب قناديلها حتى نشغل نحن الصغار قناديل من نوع آخر.
احمل في كل عام فانوسي الصغير كلما هل هلاله لارسم تضاريس اطوف بين ذكرياتها المضيئة حينا والمعتمة أحيانا، أحدق في صورها الممتدة بين «اللد» و «الزرقاء» استلهم النجوم والعصافير، والشوارع والمآذن، فتختلط الصورة وتندمج المدينتان لتشكلا وحدة فريدة من نوعها.
مع كل رمضان آخذني بعيدا حيث الطقوس التي أحب ان اختزنها في ذاتي، الزرقاء واللد واحد في اثنين، تقودني طفولتي اليهما «اليها» مع كل رمضان، أحلق وأحلق، ارتب الاشياء، أجملها، أوسدّها وكأنني أخاف ان افقدها، وهي زادي الاخضر الجميل اعبر من خلاله الى الفضاءات، والساحات والقلوب العامرة بالمحبة والاشياء.
تعود بي الذكريات حيث كان شهر رمضان ما زال يحبو في أيامه الاولى عندما طرقت الافعى باب بيتنا ونفثت سمومها واجبرت اصحاب البيت على الخروج الى المجهول.
لا ادري لماذا كانت لحظة الفصل بين نبض الجسد ونبض الوطن في الايام الاولى من شهر رمضان المبارك، هذا الشهر والذي كان ينتظره الجميع من العام للعام يرتبط بلحظات قاسية لازمتنا طيلة ايام حياتنا .. فأي شيء أصعب على الانسان ان ينتزع من الحضن الدافئ .. والوطن الحبيب ذاكرة غذاها في ذاتي من هم اكبر مني سنا .. فاندمجت مع ما اختزنه في قارورة الطفولة لأجعل منها تعويذة أحملها اينما حللت .. حتى رست في مخيم الزرقاء حيث كانت محطتي الاولى في العذاب .. مخيم الزرقاء أعرفه شارعا شارعا، ازقته نائمة في أهداب عيوني غيم ونار وهبوب ريح.
مع رمضان تعبرني اشياء واشياء تعبرني وجوه لا يمكن ان انساها، واول الوجوه ترسم ملامح «ابو محمود» مسحراتي المخيم، فما ان ينطلق اول صوت من طبلته حتى نهب اطفالا من كل خيمة لتطوف معه شوارع المخيم، شارعا شارعا، وننادي على الاسماء إسما إسما.
«الله الله / ما لنا مولى سوى الله / كل ما ناديت يا هو / قال عبدي انا الله» «يا نايم وحد الدايم» اصحا إصحا يا أبا فلان، اصحي إصحي يا أم فلان.
هكذا عاداتنا، تقاليدنا هناك حملناها معنا هنا .. فموائد الخير التي يلتئم شمل العائلة حولها هناك على بساطتها وشح خيراتها التئمت هنا، حتى صحون الطعام التي كانت تنتقل من بيت لبيت مارست عادتها هنا من خيمة لخيمة.
ما زال ابي يحتفظ بتغريبة بني هلال وقصة الزير سالم وعنترة بن شداد من دون الاشياء احضرها أبي مع قواشين الارض ومفتاح البيت لانها زاد النفس.
هذه القصص والحكايات جمعتنا الامسيات حولها هناك واكملناها في جلساتنا العائلية هنا.
انها طقوسنا الرمضانية ثوارتها الاجيال جيلا عن جيل مارسناها وحَفِظْناها وَحفْظّناها.
ها نحن نقف على عتبة بيت هناك وباب خيمة هنا نردد بعد الافطار وبكل براءة الطفولة «يا أهل الدار هينا جينا: يا حاليه / ولا تعبنا ولا شقينا: يا حاليه / ولا تودونا ع الشام / يا حاليه / أكلنا الخوخ مع الرمان: يا حاليه / حتى نصل هاتوا هاتوا العرب عاشو والعدى ماتوا» لينهمل علينا سيل العطايا، والعطايا وحدها هي التي اختلفت، فالعطايا هناك كانت وفيرة ومتنوعة، مكسرات، كستناء، قطايف، كنافة / ملبس على لوز وغيرها وغيرها، لتحل هنا محلها في حنايا المخيم ما تجود علينا به وكالة الغوث من تمر وجبن.
البهجة لم يستطع اختلاف العطايا ان يخفف من وهجها شيئا، حتى اختلاف الفوانيس لم تستطع ان تطفئ شموع رمضان من براءة الطفولة، الفوانيس هناك كانت تشترى من الاسواق سموعها لا تستطيع الرياح ان تطفأ وهجها، اما هنا فالفوانيس كانت تصنعها الأمهات من ثمار البرتقال بعد ان تفرغ محتوياتها مشوعها تطفؤها مجرد نسمة عابرة، ومع هذا كانت شموع قلوبنا وآمالنا اقوى من كل الشموع.
رمضان عناق ابدي في ذاكرتي بين اللد والزرقاء.
على البال شهر كريم يهل / وخمسون عاما ينوء مدى بحمل أساها / على البال كل الوجوه وكل المرايا / أزرقاء كنت سفينا يضم الشراع وكنت الحنان لمن قد أتوك / فأمطرت أمنا وحبا عليهم / فكنت الغطاء وكنت الملاذ وكنت السكن / فما زلت فيك صغيرة أمسي / أفك حروفي واحفظ درسي / واتلو طقوسي على ساعدين / فكتف التي ابتغيها شراعا وكنت دليلا لأعبر ارضي / فهذا مداك اراه مداها / فأسمع امي تناغي سريري / و صوت الأحبة يملأ جوي / ففيك أطلب جدائل شعري وفيك رفعت شعارات رفضي / وفيك قرأت قصائد عشقي فكنت انطلاقة عشقي لارضي / خذيني اليك لنبدأ نسج الطريق اليها، فمدي ذراعا ومدي ومدي لعل الطريق اليها يسير / ونجمع عيدين في يوم عيد.