هل تحتاج الصورة النمطية للمثقف الى اصلاح؟
12:00 21-10-2004
آخر تعديل :
الخميس
هل تحتاج الصورة النمطية للمثقف الى اصلاح؟
كيف تبدو صورة المثقف اليوم؟ هل هي الصورة التي يرسمها المثقف لنفسه امام المجتمع، ام انها صورة تختلط فيها الألوان والاشكال والاحجام بحيث لم تعد الصورة واضحة المعالم؟ وحين نتأمل كيف يرسم المجتمع صورة المثقف نتعجب لكيفية رسمه لها، فهي ليست الصورة التي يراها المثقف لنفسه، وهي ليست صورة ناصعة فريدة في نظره، والمجتمع لا يفرق بين مثقف ومثقف، وإنما ينظر اليهم بالمنظار نفسه، إنها صورة مهشمة تقترب من حد عدم الاعتراف له بمنجزاته واذا ما اعترف فهي حالة آنية سريعة لا تحكمها ضوابط او قواعد، وحين تمعن النظر اكثر واكثر في الصورة تتوقف تتساءل عن الاسباب الكامنة التي تجعل المجتمع يحجم عن افكار المثقفين وآرائهم، وتعيد ترسم الصورة المتشكلة لدى المجتمع من جديد كي ترى انه لا يأبه لشيء سوى صورته هو لا صورة غيره، والفرد في المجتمع لم يعد يهتم في عصر العولمة بأكثر من حاجاته اليومية وكيفية ادارتها وانجازها ولذلك تراه يركض خلف لقمة عيشه وقد لا يلحقها، فكيف نطالبه بأن يرسم صورة حالمة لمثقف لا هم له سوى الكلام والتنظير، كيف نطالبه بأن يأخذ بآراء لا تقدم له حلولا لمشكلاته وتحدياته الآنية.
نحن أمام حالة من المد والجزر في وضعية الفرد في المجتمع والمثقف في الآن نفسه، وبخاصة ان المثقف بات غريبا حقا عن كل ما يدور حوله، فلا هو مقتنع بأن المجتمع تخلى عن أفكاره او أنه ينظر اليه باستخفاف وعدم اكتراث ولا هو قادر على تجاوز نرجستيه الثقافية التي هي الاخرى اصبحت غريبة عن طروحاته وافكاره، اذا نحن امام صورتين واحدة تبحث عن وجودها، واخرى مغرقة في ذاتيتها، غير ان هذا لا يعني ان الصورة تتوقف عند هذا الاطار وانما لها جوانب تتعلق باستلابها غيرها، واختلاقها مبررات تؤطر نفسا بها دون غيرها، فضلا عن عدم قناعتها بإبداع حتى جنسها، هذه الجوانب الا تحتاج الى اصلاح من المثقف نفسه؟ وهل يجوز ان يشعر المثقف انه اكبر من غيره في طروحاته وافكاره وان طروحات غيره لا ترقى الى مستواه، وان افكار الشباب وابداعاتهم تافهة، او ان هذا الطيف لا يمثلني، وتلك الفكرة البناءة التي طرحها غيري لا قيمة لها لأنها لم تطرح مني، وان ذلك التاجر الناجح لا هم له سوى امواله وتجارته، وان ذلك المعلم المتميز انسان لا تتجاوز افكاره تلاميذه، وذلك السياسي أفكاره مرنة لا يرتاح لها، وتطول القائمة التي ينظر اليها المثقف نظرة سلبية وهو ما يجعل الآخر يتعامل مع المثقف بالصورة النمطية التي يغلفها في أحيان كثيرة الاستعلاء والشفقة.
ولا تتوقف الصور السلبية عند هذا الحد، وإنما نراها في مواقع متعددة تتعامل مع المثقف باستخفاف واستهتار وعدم اهتمام، فكم من مثقف انتج وكتب واصدر كتبه ولم يستطع ان يسوقها، واذا ما حاول تسويقها يتعرض لنظرات ازدراء وكأنه يتسول يشحذ ثمنها، وهي صورة يعايشها أكثر المؤلفين، والسبب لا يوجد آليات واضحة في مؤسسات كثيرة تحفظ ماء الوجه بحيث تتعامل بشفافية عند شراء الكتب واقتنائها، وفي الأغلب الأعم يتم تسويق الكتاب على العلاقات الشخصية، وتمتد اطراف الصورة لتصل الى كيفية تعامل الصحافة مع المثقف، وحين تتأمل الصور الملونة التي تتصدر الصحف تجدها اما لفنانة او ممثلة او عارضة ازياء بحجم قد يصل الى حجم الصفحة كلها، المهم أننا نرى صورا تنشر بألوان زاهية وحين تقرأ الخبر الذي يرافق هذه الصور تحزن لضحالته وتفاهته، ولماذا لا تكون للمثقف الصورة نفسها على صفحات الصحف، هل صورة المثقف مخجلة الى هذا الحد، نحن أمام مفارقات واضحة وكم من أغنية كتبها الشعراء وكم من قصة او رواية او مسرحية انتجها الكتاب ولا نجد تكريما او ذكرا لهم او صورا بحجم من يمثلونها ويؤدونها، نريد ان نرى الصورة واحدة بحيث لا يبقى المثقف / المبدع غائبا وكأن الغناء والتمثيل يقوم على الصور الجسدية بعيدا عن فعل الكلمة ومعانيها.
ان ما آل اليه المثقف من تراجع وذهول في ظل العولمة والتحديات والانكسارات وفقدان الوزن جعلت افكاره تتبخر بل سلخت جوانيته عن حروفه وافكاره، واصبح لا يدري الى أين المنتهى بفعل الانتكاسات الداخلية التي اشرنا اليها، والخارجية المتكررة وقد شاهدنا كيف كانت حالته وصورته عند احتلال العراق حيث وصلت حالة من الموت والانهاك والشلل والاندحار، فهل نعيد للمثقف صورته ام نتركه الى الزوال، والأمل بالجهات المسؤولة والصحافة ووسائل الاعلام المتعددة ان تضخ الصورة من جديد بشكل يليق بها وبه كي نرى كيف استطاع المثقفون في الدول الاخرى وخصوصا الغربية ان يحركوا السكون ويعيدوا التوازن الى مجتمعاتهم فهل من مجيب؟