درجت السينما المصرية على اظهار «عالم النفس» بمظهر المريض النفسي. و«الدكتور شديد» صورة نستذكرها من سينما الستينيات، قوامها المفارقة المتأتية من كون المحلل النفسي هو نفسه مخبولاً. وهي اقرب شيء الى ما نراه اليوم من حال بعض مدّعي الفلسفة الذين فات مخرجي الروائع (؟) ان يقدموهم بصفة كونهم انموذجات مضحكة تقوم على المفارقة نفسها، اي كون المتفلسف هو نفسه ابعد الناس عن الفلسفة، واقربهم الى التنفّج والادّعاء.
إن افقاً ضيقاً محصوراً تملؤه المقولات، والاسماء الكبيرة الممطوطة، والعنوانات البراقة، واطياف الافكار الشائهة، واخلاط المذاهب، لا يمكن ان يفضي الى فلسفة حقيقية بنّاءة، او فعل معرفيّ اصيل. وإن ما يقترفه بعضهم باسم الفلسفة وما يملأون به اوقاتهم من لغو الحديث - ولا سيما في الحوزات الايديولوجية المغلقة - لا يعدو ان يكون مخاريق بأيدي لاعبين.
والفلسفة لا تكون بالمخرقة، ولا تكون عند ازدحام الدعاوى والعناوين ومستنسخ المناهج ومستعار الافكار.
إنها «الحكمة» التي تفزع الامم والشعوب اليها. وتستنير بها، وهي «ضالة المؤمن» حيثما وجدها التقطها، والذين يؤتونها فقد اوتوا خيراً كثيراً وشيئاً عظيماً.
ولقد يتفق لواحد منا ان يسلخ سنين من عمره وهو يحاول للفلسفة انتساباً، ثم لا يلبث ان يكتشف انه لم يظفر من ذلك كله الا بشرف المحاولة، فإن كان صادقاً فيما حاول، مخلصا فيه، فإن من منطق الحق ان نسميه فيلسوفاً اي «محبّاً للحكمة»، وإن لم يستطع ان يكون حكيماً..
اما من يكون قصاراه من الفلسفة ان يتخذها جلباباً، وان يتمظهر بها، وان يكون لسان حاله قوله «ليس مهماً ان اكون فيلسوفاً ولكن المهم ان ابدو كذلك»، فهو نمط مختلف عن سابقه، يستغل الحكمة ويروّج بضاعته باسمها. وهو بتعبير آخر عدو للفلسفة لا محب. وساء ذلك سبيلاً..