مواقف متباينة تصدر عن الامم المتحدة هذه الايام، الاول تعكسه قرارات مجلس الامن التي تنحو نحو التهديد والعقاب والحصار، وهو الاسلوب الذي ثبت انه وسيلة لتأزيم المشاكل وتدمير الدول والتمهيد لغزوها والتدخل السافر في شؤونها، والعراق خير شاهد على ذلك.
والموقف الاخر هو الذي يعبر عن الموقف الاخلاقي والقانوني للامم المتحدة وهو ما يذكر به الامين العام للامم المتحدة، ويقوله صراحة في اوسع حقل دولي هو الجمعية العامة للامم المتحدة.
الامين العام للامم المتحدة قال صراحة رغم ما قد يتحمله من تبعات ان احتلال العراق مخالف لميثاق الامم المتحدة وانه عمل تم خارج الشرعية الدولية.
وامام الجمعية العامة للامم المتحدة حذر عنان دول العالم ان الامم المتحدة وميثاقها هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدولي وأن على دول العالم ان تختار بين التفريط في السلام الدولي ليصبح ضحية لقانون القوة، او اصلاح الامم المتحدة حتى يصان السلام والعدل في العالم بقوة القانون وشرعيته، وليس بقانون القوة وسطوته.
كلام في منتهى الوضوح والخطورة، وهو قطعاً الموقف الصحيح للامم المتحدة بعد ان اصبح مجلس الامن يصدر قراراته ليس بقوة القانون الدولي ولكن بقانون القوة الدولي الذي يمثله نفوذ الولايات المتحدة في المنظمة الدولية وقوتها العسكرية والاقتصادية النافذة التي تعرض على الدول خيارات خارج منطق قوة القانون ولحساب منطق قانون القوة.
ونحن في الشرق الاوسط وفي العالم العربي خصوصاً تعلقت آمالنا طويلا بالامم المتحدة وقراراتها ودورها لحل القضية الفلسطينية والقضايا المتصلة بها ووضعنا ثقتنا في الجهود والقرارات الدولية وتمسكنا بها على انها تمثل قوة القانون الدولي.
ولكن قانون القوة الذي يمثله السلوك الاسرائيلي في المنطقة، وهي القوة المستندة الى الدعم والعطاء الاميركي في الشرق الاوسط احال قرارات المنظمة الدولية الى قصاصات ورق نحتفظ بها كأوراق اليانصيب الخاسرة، يحدونا الامل بل تفعّل ويحبطنا الواقع المستند الى قانون القوة الغالبة والنفوذ الدولي المتحيز الذي غيب دور الامم المتحدة في حل قضية الشرق الاوسط وترك المنطقة لقانون القوة الذي ولد قانوناً اخر من جنسه قانون الارهاب النابع من اليأس، وكلاهما تجاوز يهدد الحقوق والشعوب، ويؤدي الى تردي الاوضاع ودفع الناس الى زاوية اليأس في الشرق الاوسط.
ولا ينتج من دوائر القوة او سياسات قانون القوة الا تحيزاً للظلم ومشاريعاً تديم المماطلة وتوفر الزمن اللازم للمحتلين لتنفيذ مشاريعهم بعيداً عن القانون الدولي والعدالة الدولية، واحياناً في ظل التواطؤ الدولي الذي يطل من ثنايا القرارات الدولية كما يحدث في العراق.
دور الامم المتحدة هو الاخر تم اختطافه وتسخيره لمن يملكون القوة وسياساتها ويفرضون ارادة القوة.
ووطأة القوة وسياساتها تكون اشد على اولئك الذين قادهم حظهم العاثر الى التخلي عن عنصر القوة وارتضوا الاحتكام الى الشرعية الدولية التي فقدت هي الاخرى فعاليتها لحساب قانون القوة.
ما يجري في فلسطين مخالف لمنطق قوة القانون ورافض له، وما يجري في العراق خارج الشرعية الدولية، وما يجري في العالم العربي خارج منطق العقل الذي يوجب على الامة ان تجمع طاقاتها للدفاع عن وجودها الذي يتهدده الخطر وعن ارضها وشعوبها التي تسقط فريسة الاحتلال والغزو والازاحة والاحتلال الاستيطاني والنهب المنظم لثرواتها ودورها في العالم.
لقد عاد العرب ليكونوا افراداً في القبيلة العربية ولكن بدون رابط او فكر ناظم او زعامة راشدة.
والعالم في زمن التجمعات الدولية القوية عسكرياً واقتصادياً لا يحترم القوى السائبة التي لا يربطها رابط ولا تمثل قوة يحسب لها حساب.
نحن ايضا فقدنا قوة القانون الدولي وفرطنا بنصيبنا من القوة، وها نحن على قارعة طريق العالم ننتظر من يأتي لنا بالحلول، ويأتي بدلاً منها الغزو والتسلط ولا زلنا ننتظر.