يعتبر فيلم (صراع في جرش) الذي تم اخراجه وعرضه في صالات السينما الاردنية في العام 1957 هو اول فيلم اردني يؤرخ لبدء تاريخ ومسيرة السينما الاردنية.. ذلك رغم الامكانيات البسيطة والمتواضعة جداً التي عمل ضمنها اصحاب هذا الفيلم المحلي.
وربما يكون من الظلم ان نعقد مقارنة ما بين امكانيات هذا الفيلم السينمائي الاردني الاول وبين الامكانات الكبيرة والمتقدمة التي كانت متاحة للافلام المصرية او الاجنبية الاخرى!! وذلك من منطلق ان هذا الفيلم ورعاته من ممثلين ومخرجين وتقنيين لم يكن من المحترفين بل اكثرهم من (الهواة) الذين عشقوا هذا الفن السينمائي حد الاندفاع بعمل المستحيل!!.
وحول هذا الموضوع يذكر الناقد السينمائي الاردني المعروف (عدنان مدانات) قائلا: ''لقد كانت التجارب الاولى لصناعة وانتاج افلام سينمائية اردنية هي ذات طابع وطني محلي صرف والتي كان لها قيمة خاصة!! تجعلها تستحق ان تسجل في ذاكرة التاريخ الوطني الاردني.
وتلك البدايات نتج عنها بعض الافلام التي قد تكون ضعيفة من الناحية الفنية والتقنية.. لكن من صنعها هم هواة متحمسون احبوا السينما!! مع انهم لم يفهموها كوسيلة ابداعية راقية!! لكنهم بالمقابل، لم يكتفوا بصناعة الفيلم بل صمموا وصنعوا التجهيزات والتقنيات التي كانت متوفرة بحوزتهم، هذا مثلا ما كان من حال الفيلم السينمائي الروائي الاردني الرائد (صراع في جرش). الذي انتجه واخرجه وصوّره وعمل ومثّل فيه مجموعة حرفيين هواة كانوا في الاصل إما (عارضي افلام) في الصالات العامة، او فنيي خراطة وحدادة، وكان من ضمن خبراتهم صيانة وتصليح آلات العرض السينمائية.. لذا فقد استفادوا من خبراتهم الحرفية لتصنيع آلات تحميض وطبع اشرطة الافلام، وطاولة المونتاج، ونظام تطابق الصوت مع الصورة. ان فيلم (صراع في جرش) مهم ايضا ليس فقط لمضمونة الوطني بل ايضا لكونه كان مسبوقاً بمقدمة دعائية عرضت في صالات السينما وقت ذلك تتضمن مشاهد ذات طابع وثائقي لمدن الاردن وفلسطين اصبحت الان حافظة مرئية لذاكرة تلك المدن.
وكان فيلم صراع في جرش فيلماً وطنياً اردنياً، خصوصاً لأنه كان ممولاً بالكامل بأموال اردنية عبر شركة اسسها صانعو الفيلم وكانت المساهمة المالية لكل واحد منهم (خمسة) دنانير اردنية فقط.
(محمد اكرم الطويل) المصور الفوتوغرافي المرافق لهذا الفيلم قبل خمسين عاماً يتذكر في حديث لنا قائلا: ''لقد ظهر اسمي على افيش الفيلم كمصور فوتوغرافي للفيلم.. وكانت قصة الفيلم تدور حول سائحة اجنبية تزور الاردن، وفي جرش تحاول عصابة اختطافها والاستيلاء على اموالها، فيصدهم بعض الشباب النشامى (ابطال الفيلم) ويحدث الصراع بين المجموعة الخيرة والمجموعة الشريرة حتى يتم تغلب الخير على الشر.. ومما ذكره ان التصوير تم في مواقع مختلفة منها جرش ومناطق شبه صحراوية خارج جنوب عمان.. ويعتقد الطويل ان الفيلم كان صامتاً!!. او ان دوبلاجاً جرى له فيما بعد!! ومما ذكرناه امامه عما قرأناه في بعض المراجع السينمائية ما يلي ليعلق عليها: ''ان ابراهيم حسن سرحان هو مخرج سينمائي كان احد الشباب الطموحين في تحقيق سينما اردنية، وساهم بانتاج واخراج فيلم صراع في جرش ووضع اسم (واصف الشيخ ياسين) مخرجاً للفيلم في حين كان (سرحان) هو المخرج الحقيقي للفيلم، وهو الآن يعيش في لبنان بعيداً عن السينما. له دور ريادي في البواكير الاولى لصناعة السينما في الاردن وفلسطين''.
وهنا يعلق السيد محمد اكرم الطويل معدلاً بعض المعلومات قائلا: ان ابراهيم حسن سرحان هو مصور الفيلم، وان المخرج الحقيقي لهذا الفيلم هو (محمد الهندي)، وان ابطال الفيلم هم: (واصف الشيخ ياسين) و(احمد القرا) و(ابو سمرة) وصبحي النجار.
وفي كتابه (البحث عن السينما الاردنية) الصادر في عمان عام (1987) يذكر الناقد السينمائي الراحل حسان ابو غنيمة عن هذا الفيلم قائلا: ''بعد الهجرة عام (1948) استقر محمد صالح الكيلاني في عمان وأسس استوديو للتصوير الفوتوغرافي (بشارع الرضا) بجانب البنك الاهلي الاردني، ثم اسس فيما بعد استوديو اخر تحت اسم استوديو (سبورت) على درج (سينما بسمان)، ثم اسس استوديو الشرق بجوار (سينما الخيام) وهذا الاستوديو انطلق لتصوير الاشرطة السينمائية الاخبارية للشركات الاخبارية الاجنبية، ثم اصبح في الخمسينات مصوراً سينمائيا ايضاً لاخبار شركة بريطانية ولشركة المانية.. وكل ذلك قبل ان تتبلور في ذهنه فكرة تأسيس شركة سينمائية في الاردن بعدما تعرف على مجموعة من الشباب المتحمسين للسينما فأسس (شركة افلام الاردن) برأسمال وهمي قدره (10) آلاف دينار.
وعن طريق الشركة تعرف بالصحفي (فخري اباظة) الموظف في وكالة الانباء حيث قدم له سيناريو بعنوان (غرام سائحة) ولكن في مرجع سينمائي اخر جاء فيه ان الذي كتب قصة هذا الفيلم هو (سمير مطاوع) - الاعلامي والوزير المعروف فيما بعد - وربما ساعدهم اخرون!! وهكذا فقد تقرر اخراج القصة في فيلم سينمائي اردني طويل لحساب الشركة المؤسسة مع مصطفى صبحي النجار وأحد افراد آل المصري، حيث بدأ الكيلاني معهم وهما ميكانيكيان وضع تصميم لماكينات الطبع والتحميض غير المتوفرة انذاك في الاردن.. وقد استأجر مكتباً في (شارع المحطة) الا ان ماكينة الطبع والتحميض المصممة لم تعط النتائج الفنية المرجوة، مما اسهم في الخلاف بين الشركاء حيث انسحب الكيلاني، واختار حسن سرحان ليكون محله في تصوير الفيلم واخراجه، وهكذا قررت الشركة ان يجمعوا نقوداً من الممثلين، وان يدفع كل ممثل (خمسة) دنانير او (عشرة) للمساهمة في ميزانية هذا الفيلم الذي تغيّر اسمه من (غرام سائحة) الى (صراع في جرش) حيث اشترك معهم واصف الشيخ ياسين الذي وضع اسمه مخرجاً للفيلم رغم ان الفيلم كان من اخراج سرحان في العام (1957).
وهكذا فقد كان لعرض هذا الفيلم البدائي اهتمام كبير في صالات السينما في كل من عمان واربد.. اذ ان تذاكر هذا الفيلم قد بيعت في ذلك العام (1957) على طلاب المدارس الكبيرة لحضور الفيلم في عروض خاصة مخفضة لهم.
بقي ان نقول ان كل بداية غالباً ما تكون صعبة ومتعثرة!! ومع كل تلك الهنات لهذا الفيلم فقد كان له قصب السبق في ريادة الفن السينمائي الاردني.