ترجمة: م. حسام جميل مدانات-في العام الماضي 2006م توفي في احد مستشفيات بريطانيا عميل الاستخبارات الروسية الكنسندر لتفننكو بعد ان تسمم بعنصر البولونيوم 210 المشع. وذلك رغم الجهود الكبيرة التي بذلت لانقاذ حياته، وقد وجه اصبع الاتهام للاستخبارات الروسية بدس السم لعميلها السابق، وكان السم قاضياً رغم ان كميته لم تتجاوز بضعة ميكروغرامات أي بضعة اجزاء من المليون من الغرام.
فما السر في ذلك؟.
البولونيوم 210 من العناصر المشعة، وهو يطلق دقائق الفا الثقيلة، وهي عبارة عن انوية عنصر الهيليوم، وكل قذيفة من هذه الاشعة تفوق في طاقتها اشعة الشمس بمليون مرة، وهي بذلك تسبب اضراراً جسيمة لخلايا الجسم عندما تخترقها.
اكتشفت ماري كوري وزوجها بيير كوري هذا العنصر المشع عام 1889، واطلق عليه اسم بولونيوم تكريماً لموطن ماري كوري الاصلي، بولندا، او بولونيا، رغم ان ماري قد تزوجت فرنسياً وعاشت وعملت وبحثت وحققت انجازاتها في فرنسا.
يتميز البولونيوم 210 بنشاط اشعاعي فائق واستثنائي في قوته، فكل غرام منه يطلق (166000) مليار دقيقة الفا في الثانية.
وعلى سبيل المقارنة، فان مليغرام واحد (جزء بالالف من الغرام) من البولونيوم 210 يطلق من دقائق الفا ما يطلقه 5ر13 طناً من اليورانيوم 238 (عندما نتحدث عن البولونيوم 210 فاننا نعني نظيره ذا الوزن الذري 210، وبالمثل لليورانيوم 238).
وتعود سمية هذا العنصر ايضاً الى ان نشاطه الكيميائي يشبه نشاط العناصر الثقيلة الاخرى مثل الرصاص، بالاضافة الى حقيقة ان ذرته تتحول الى ذرة رصاص بعد انطلاق دقيقة الفا منها.
فبعد ان يدخل البولونيوم 210 الجهاز الهضمي، فان نسبة قد تصل الى النصف من هذه الكمية تنتقل الى الدم ثم تستقر في الكبد والطحال والكليتين، وتثبت 10% منها نفسها في نخاع العظم، والكمية الباقية في انسجة اخرى مثل الغدد الليمفاوية. وهكذا فان كمية تقاس بأجزاء بالمليار من الغرام (أي نانو غرام) ترفع احتمال الاصابة بأنواع معينة من السرطانات واذا كانت كمية السم بالميكروغرامات (اجزاء بالمليون من الغرام) تلاحظ اعراض شديدة مثل الارهاق الشديد، وتساقط الشعر، واختفاء الخلايا اللمفاوية. وهلاك خلايا نخاع العظم ومشاكل في الدم والانسجة الطرية (الكبد والطحال والكليتين) وبشكل عام يعتبر البولونيوم 210 اكثر سمية بمليون مرة من السيانور.
سم يصعب اكتشافه
انه حقاً سم مخيف! كما ان من الصعب تفسير اعراض التسمم وكشف الكمية المتناهية الصغر من هذا العنصر المشع، وحتى لو اكتشف سبب التسمم مبكراً، فان محاولة تخليص الجسم منه ليست سهلة، ولم تجر تجارب تذكر في هذا المجال على الانسان حتى الآن.
وتتصف اشعة الفا التي يطلقها هذا العنصر اذا كان داخل الجسم، بأنها تمتص بواسطة خلايا الجسم فيصعب كشف وجودها بواسطة الاجهزة الحساسة للاشعاعات، مثل عداد غايغر.
وحتى في الهواء فان اشعة الفا تتوقف بعد ان تقطع بضعة سنتمترات، ولهذا السبب يصعب على الاجهزة الامنية في المطارات والمراكز الحدودية ان تكشف وجود كمية ضئيلة مهربة ومخبأة من البولونيوم 210. (طاقة جسيمات الفا 4-9 مليون الكترون فو لت وسرعتها نحو 10000 كم في الثانية لكنها تعجز عن اختراق صحيفة ورق). فهل يحق لنا ان نخشى من لجوء البعض لاستخدام هذا العنصر المشع في جرائم القتل دون خوف كبير من اكتشافهم؟.
قد يطمئننا ان نعلم انه بقدر السمية الفائقة والاستثنائية للبولونيوم 210، فهو ايضاً عنصر نادر ويصعب الحصول عليه، فرغم انه من النواتج الثانوية للتحلل الاشعاعي لليورانيوم، الا انه يتواجد في خامات اليورانيوم بنسبة ضئيلة للغاية: ميكروغرام واحد (جزء بالمليون من الغرام) لكل طن من خام اليورانيوم.
اما انتاجه صناعياً، بقذف نواة البزموث 209 بالنيتوترونات، فانها عملية سرية ومكتومة التفاصيل. وتقوم بها الدول العظمى، اذ استخدمه ممزوجاً مع البريليوم كزناد لتفجير القنابل النووية مثلاً.
ويستخدم في الصناعة بكميات تقاس بأجزاء من الف مليار من الغرام للتخلص من الشحنات الكهربية الساكنة في اجهزة لف الورق او الصفائح المعدنية.
هل يمكن شراؤه بواسطة الانترنت؟.
نعم! ولكن كمية من البولونيوم تعادل 3700 بكرل تباع مقابل 69 دولاراً فقط. وهذه تجارة شرعية ومسموحة تماماً.
لكن لاحظ انه يلزم (15000) خمسة عشر الف عينة من هذا المقدار لاستخدامها لهدف اجرامي، أي ان جرعة قاتلة من هذا العنصر تكلف اكثر من مليون دولار.
ثم ان أي جهة تطلب هذه الكمية ستثير الشكوك حولها وحول غرضها من الحصول على هذه الكمية من هذه المادة المشعة، علماً ان المؤسسة التي تبيعها لا تبيع اكثر من عشر عينات في السنة، وهي بشكل رئيسي لجامعات وصناعات ومراكز ابحاث.
وعلى سبيل الاحتياط امنياً، فان هذه المؤسسة لا تملك اية احتياطات من هذا العنصر، وانما تحول الطلب عادة الى المفاعل النووي (اوك بريج) في ولاية تينيسي، والذي يوفر العينات عند طلبها.
عن Science et Vie