عناقيد الحكمة لصقر عليشي .. سيرة شاعر من خلال قصائده

عناقيد الحكمة لصقر عليشي .. سيرة شاعر من خلال قصائده

محمد ضمرة - للشاعر صقر عليشي نكهة خاصة، متميزة، تشمها في عبق كل مفردة من مفرداته، اما في القصيدة، فانه يدلق اباريق عطوره الخاصة، التي لا تشابه عطرا آخر منزلة ورائحة، وعبقا متجددا. في ديوانه الجديد عناقيد الحكمة، اضافة جديدة الى جديدة، ومنذ مطالعتنا لعنوان المجموعة يقدم شيئا خاصا غير مألوف، حيث قام بتركيب العنوان الرئيس من مفردتين اثنتين، فكل مفردة مستقلة توحي بشيء خاص بها، فالعناقيد مثلا وهي مفردة دالة على شيء مادي محسوس، وأكثر ما تلصق طبعا بالعنب، لان العنقود يدل على تراكم عددي في العدد الواحد، اضافة الى انه يحمي نفسه باكتظاظ ما يكتنزه، والتصاق بعضه ببعض، وكأنه رسالة الى من يقرأ رسالة الخلق، مفادها ان الوحدة والتضامن والتقارب تمنع وتصد جميع القوى المؤثرة.
اما الحكمة، وهي معنى من المعاني الدالة على قوة الفكر، واشتغال العقل، للتنوير، وانارة الحياة وما بعدها امام الحاح العقل على الكشف والمعرفة، والشيء الجديد الذي اوقعه الشاعر هو باضافة هذه الحكمة المعنوية غير المرئية الى شيء مرئي، تتلذذ به العيون ويسيل له لعاب الشهوة والرغبة، تماما كما تنفرج اسارير المتطلعين الى الاستشراف امام مصابيح الحكمة واشعاعاتها.
والمجموعة بقصائدها تحكي سيرة الشاعر، وان كان قد خصص بعضها لذلك صراحة، حيث افرد مساحة واسعة لمذكراته، وقد عبرت هذه المذكرات عما تقوله الاشياء، كما يعتقد بذلك الشاعر، فجاءت مذكرات الورقة داليا سمينة وورقة التوت والنملة، والبغل، الى آخر ما هنالك من مذكرات ومن ضمنها طبعا مذكرات شاعر، مع انه لم يعرف الشاعر، بل جعله نكرة، حتى يزيد من التعمية والتعميم على كثير من الشعراء، فما يعانيه شاعر ما قد يتطابق على ما يعانيه غيره، ولا تختلف هذه المذكرات عن غيرها من القصائد من حيث الموضوع الرئيس، وهو السيرة الذاتية، ولكن المضامين مختلفة طبعا.
ففي قصيدة يوم الجمعة المقدس، نرى الشاعر من خلال النص، وهو يدير حياته اليومية في هذا اليوم منذ الصباح وحتى المساء، نراه في حركته وجلوسه، وطريقة تفكيره ونظرته للاشياء من حوله.
مع ان اضفاء صفة القداسة ليوم الجمعة قد خرج به الشاعر عن مألوفه، او ما تعارف عليه الناس، وقد ألصق به صفة القداسة الخاصة به، ومع ذلك فلم يثنه ذلك عن الاشارة الى المفاهيم الاولى والمبدئية لهذا اليوم، كما جاء في الكتب المقدسة فهو يقول: يوم الجمعة يوم معروف.
من عهد ابينا آدم.
واسم الجمعة مما علمه الله لآدم.
من أسماء.
وقد ذهب الشاعر كذلك الى ابعد من ذلك حينما اشار الى تفاحة آدم، فهو يريد البوح بالاتصال ما بين الذكر والانثى لاتمام عملية الاخصاب والبقاء.
وفي قصيدة عناقيد الحكمة، التي اخذت عنوان المجموعة. لم يكن الشاعر واعظا كما يظن البعض، فقد جعل الحكمة حياة تدخل او تتجسد في شكل بشري، فهي تتحرك، وتدخل، وتخرج وتتحدث مع الاشخاص، اذن جعلها الشاعر كائنا من ضمن الكائنات، واهمها البشرية، وفي مقطوعة رأس الحكمة، اتكأ الشاعر على الحكمة التي يتداولها الناس وهي ''رأس الحكمة مخافة الله'' وقد قلب الشاعر هذا المفهوم السائد الى شيء آخر يتجانس تماما مع الواقع المعيش، فهو يقول: فلا رأس للحكمة اليوم.
ان لم يكن ''رأس مال''.
فالمال اصبح رأس الحكمة في زمن يقوم على الاقتصاد، ولهذا حاول الشاعر في قصائده اللاحقة تصويب الأمور السائدة.
وما يهمنا هنا هو ان الشاعر قد جاء في قصائده بشيء جديد، مخالف للسائد وجادت قصائده سلسلة ومدهشة وغريبة فالغرائبية، هي التي سادت الاجواء العامة للقصائد جميعها، ولا شك ان الشاعر كان يحاول تقديم شيء جديد، حتى في قصيدته الأخيرة التي يتكلم فيها عن سهرة يوم الاحد، فانه يقدم عرضا بشفافية عن تلك الليلة التي يلتقي فيها الادباء في القبو، وقد اعتمد كثيرا على الواقع المنظور، ومن خلال هذا الواقع اخرج صورة جديدة، والقصائد جميعها تسير في ايقاعات داخلية جميلة، اضافة الى الايقاع الخارجي، مما زادها جمالا في اللحن، واتساعا في الموسيقى.
وعناقيد الحكمة، شيء جديد، مختلف اضاف به الشاعر لدواوينه السابقة عنقودا له طعم العنب وفحولته التائقة الى الانعتاق نحو المزج في الاكواب.