عمان - محمود الزواوي - أصدرت جريدة لندن تلغراف البريطانية قائمة بأعظم المخرجين البريطانيين في تاريخ السينما، استنادا إلى تصويت لنقاد السينما العاملين فيها. وشملت القائمة 21 مخرجا تصدرهم صاحب أفلام الغموض والتشويق ألفريد هيتشكوك، وتضمنت المراكز الأربعة التالية كلا من تشارلي تشابلين ومايكل باول وديفيد لين ونيكولاس روج، والأخير هو الوحيد على قيد الحياة بين هؤلاء المخرجين الخمسة.
ولعل أهم الإنجازات السينمائية لهؤلاء المخرجين ، في ترتيب الأسماء المتضمنة في هذه القائمة الخماسية القصيرة،هو ترتيب أثار بعض الجدل في الأوساط السينمائية البريطانية والأميركية، شأنه في ذلك شأن أي قائمة فنية مبنية على التصويت. فالمعايير التي تطبق لتقويم الأعمال الفنية في السينما والمسرح والتلفزيون والغناء والموسيقى والرقص والرسم التشكيلي ليست مطلقة أو موضوعية كليا، إذ لا يمكن قياسها بأداة معينة لإعطاء حكم مطلق. و أهم ما يثير الاهتمام في هذه القائمة القصيرة لأعظم المخرجين البريطانيين، هو أنها لا تتضمن اسم صاحب الرائعة السينمائية الرجل الثالث (1949) المخرج كارول ريد، وهو فيلم يحتل المرتبة الأولى في قائمة معهد الأفلام البريطاني لأفضل الأفلام البريطانية في القرن العشرين، وبالمرتبة السابعة والخمسين في قائمة معهد الأفلام الأميركي لأفضل 100 فيلم أميركي، من إنتاج أميركي، كما فاز بجائزة مهرجان كان.
تقدم قائمة المخرجين البريطانيين الخمسة الأوائل الدليل على تداخل وتشابك السينما البريطانية والأميركية منذ أيامهما الأولى. فقد اكتسب تشارلي تشابلين شهرته وقدّم أعماله السينمائية في هوليوود، كما ينطبق ذلك إلى حد كبير على ألفريد هيتشكوك الذي انتقل من لندن إلى هوليوود في بداية مشواره السينمائي وأصبح واحدا من أعلام مخرجيها. وانتهى المطاف بالمخرج مايكل باول في هوليوود بعد مشوار سينمائي طويل في لندن، وأسهمت هوليوود في إنتاج الأفلام الملحمية للمخرج ديفيد لين، كما كانت بدايات المخرج نيكولاس روج كفني ثم كمصور في فرع استوديو مترو - جولدوين - ماير الأميركي بلندن.
ليس هناك أدنى شك في أن ألفريد هيتشكوك يستحق مركز الصدارة في قائمة أعظم المخرجين البريطانيين، بل إنه يعد في نظر الكثيرين أعظم مخرج في تاريخ السينما بفضل تأثيره المهم في تطور الفيلم السينمائي.
وتميزت أفلامه ببراعته في تشويق المشاهدين وشدهم والاستحواذ على اهتمامهم طوال عرض كل فيلم من أفلامه، واقترنت هذه الأفلام بمقومات فنية جمعت بين قوة السرد السينمائي وتحكمه في أداء ممثليه وجمال التصوير وروعة الموسيقى التصويرية التي لعبت دوما دورا مهما في أفلامه.
وقدّم على مدى أكثر من نصف قرن سلسلة من الروائع السينمائية بينها أربعة أفلام ضمن قائمة معهد الأفلام الأميركي لأفضل 100 فيلم، وهي النافذة الخلفية (1954) و سايكو (1959) و شمال مع شمال غرب (1959) و الدوار (1961). وكان ألفريد هيتشكوك أول مخرج يوضع اسمه قبل عنوان الفيلم.
تميز تشارلي تشابلين الذي اكتسب لقب ملك الكوميديا بمواهبه المتعددة، فقد قام بالتمثيل والإخراج والإنتاج والمونتاج وتأليف القصة والحوار والموسيقى التصويرية وتلحين أغاني أفلامه بعد أن دخلت عصر السينما الناطقة.
وتشمل قائمة معهد الأفلام الأميركي لأفضل 100 فيلم ثلاثة من أفلامه الصامتة هي البحث عن الذهب (1925) و أضواء المدينة (1931) و الأزمنة الحديثة (1936)،وتتميز قصص هذه الأفلام بالمعاني الإنسانية العميقة والرقيقة. ولقّب تشابلين بالفنان صاحب أكبر تأثير فردي في تاريخ السينما، واكتسب شهرة عالمية غير مسبوقة بين الفنانين.
تتلمذ المخرج مايكل باول على يد المخرج ألفريد هيتشكوك، وحل محله كأبرز مخرج على الساحة البريطانية خلال عقد الأربعينيات بفضل طائفة من الأفلام التي تميزت بالتنوع والمفارقات وجمعت بين الواقعية ولمسة من التأمل التي لم ير المشاهدون مثيلا لها في أفلام أي مخرج آخر قبله أو بعده. ومن أبرز أفلامه فيلم لص بغداد (1942) الذي أخرجه بالاشتراك مع المخرج لودفيج بيرجر، وفيلم النرجسة السوداء (1946) وفيلم الحذاء الأحمر (1948)، أروع ما قدمته الشاشة عن رقص الباليه.
تتميز أفلام المخرج ديفيد لين بجميع مقومات العمل السينمائي المتكامل التي تنعكس في براعة وقوة السرد السينمائي الذي كان من العلامات المميزة لأفلامه الثمانية عشر التي قدمها على مدى أكثر من 40 عاما. فبعد أن ثبّت مكانته في عدد من الأفلام المتميزة المبنية على روايات الكاتب الشهير تشارلز ديكنز، مثل لقاء قصير (1945) و توقعات عظيمة (1946) و أوليفر تويست (1948) قدّم مجموعة من الأفلام الملحمية الضخمة الإنتاج التي تحتل مكانا هاما في كلاسيكيات السينما العالمية مثل الجسر على نهر كواي (1957) و لورنس العرب (1962) و دكتور جيفاجو (1965)، وهذه الأفلام الثلاثة متضمنة في قائمة معهد الأفلام الأميركي لأفضل 100 فيلم أميركي، كونها من إنتاج أميركي.
يظهر أثر خلفية المخرج نيكولاس روج كمصور سينمائي بارز في القوة البصرية لأفلامه، وكثيرا ما يحدث ذلك على حساب سلاسة السرد السينمائي، وأصبح ذلك من العلامات المميزة لأفلامه وأكسبه سمعة كواحد من أهم المخرجين المجددين. ومن أهم أفلامه فيلم التجول (1971) وفيلم لا تنظر الآن (1973) و الرجل الذي سقط من الأرض (1976) و التوقيت السيء (1980).
ومن المهم القول أن الإنجازات السينمائية للمخرج كارول ريد، الذي واكب المخرج ديفيد لين، تكسبه المركز الخامس في قائمة أفضل المخرجين البريطانيين قبل المخرج نيكولاس روج، بفضل روائعه السينمائية الكثيرة التي تشمل المعبود الهاوي (1948) و الرجل الثالث (1949) ورجلنا في هافانا (1960) والفيلم الموسيقي أوليفر الحائز على جائزة الأوسكار.