مزاوجة بين الأدب والسياسة

مزاوجة بين الأدب والسياسة

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 10-2-2012

إبراهيم العبسي  - حينما جلست إلى مكتبي لأكتب شيئا ما عن الصديق الأعز والراحل الكبير سالم النحاس، لم أدر من أين أبدأ وكيف أبدأ، فسالم أكبر بكثير جدا من أن تحتويه كتابة تقليدية تعدد فيها مآثره وأعماله وعالمه المتنوع كما تنوع فصول الأرض والحياة.
فقد كان فنانا من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، وكان سياسيا منحازا إلى الحرية ومسكونا بقضايا وطنه وأمته، وكان إنسانا ممتلئا حتى الروح بكل أشواق الدنيا إلى عالم جميل يرسمه هو ويدعو الناس إلى العيش فيه، عالم لا مكان فيه للآلام والعذابات والفقر والقيود.
عندما التقيته أول مرة في أواخر عام 1973، شدتني إليه شخصيته المتفجرة المتمردة التي لا تعرف الجمود. كان موزعا بين الأدب والسياسة، وكان يفكر كيف يمكن أن يحشر نفسه في زاوية ضيقة هي الأدب على اتساعه، ويدير ظهره للسياسة التي كانت أحد همومه الكبيرة، هل يكرس نفسه للأدب أم للسياسة؟
ولم يطل به الأمر حتى اختار أن يزاوج بينهما؛ أي الأدب والسياسة، واكتشفت في ذلك الوقت أنه كان يبحث بكل عقله وجوارحه عن فكر سياسي ينتمي إليه. واكتشفت أنه كان يبحث عن فكر قومي متقدم يدعو إلى وحدة هذه الأمة، ثم سرعان ما تجاوز ذلك إلى البحث عن فكر سياسي إنساني يشمل العالم كله ويدعو إلى الديمقراطية والمحبة والسلام والعدالة والحرية الاجتماعية والحياة الفاضلة وينتصر للفقراء والمعذبين في هذا العالم، فاختار فكرا سياسيا تقدميا، سرعان ما انخرط فيه بروحه المتمردة على كل أشكال العسف والظلم والاضهاد والفساد، وقاده هذا الفكر إلى الانتماء إلى تنظيم يساري ديمقراطي.
كان سالم قبل ذلك قد أصدر روايته «أوراق عاقر» في العام 1968، وكانت تبشر بحس فني عال ومقدرة كبيرة على صناعة هذا الفن، لكنها كانت أقل من ترضي حلمه بفن أدبي خارق للقواعد والأطر الأدبية التقليدية، فن خارج على المألوف والعادي، تماما كما كانت شخصيته خارجة على المألوف والعادي.. فن هو الحرية بعينها، حريته هو، وحرية الآخرين، أعني أولئك الذين يحلمون بيوتوبيا فاضلة يتساوى فيها الجميع ويعيشون أروع ما في الحياة من حب وحلم.
ولأنه اختار أن يوزع حياته بين علمي الأدب والسياسة، واختار أن يدخل تنظيما يساريا ديمقراطيا كان يرى فيه مكملا لصياغة حياة جميلة وعادلة، فقد ترتب عليه أو هو اختار أن يرتب على نفسه القيام بالمهمات السياسية والاجتماعات التنظيمية وإصدار البيانات والانشغال حتى العظم بتصليب التنظيم وإضفاء روح الحياة النابضة فيه والابتعاد به عن الجمود والانغلاق، فكان يصل الليل بالنهار وهو يعمل من أجل هذا التنظيم.
كانت فكرة إنشاء رابطة للكتاب الأردنيين في ذلك الوقت قد تبلورت على أيدي عدد من الأدباء الأردنيين الذين سرعان ما انضم سالم إليهم كمؤسسين للرابطة، فيما كانت مجموعة من الكتاب تعمل خلف هؤلاء المؤسسين مثل د.إبراهيم خليل وحسين حسنين ومؤيد العتيلي وإبراهيم العبسي. وسرعان ما أعلن عن انبثاق هذه الرابطة التي كانت حدثا كبيرا، ليس في أوساط الأدباء والمثقفين الأردنيين فقط، بل في الأوساط الأدبية العربية على مساحة الوطن العربي، فأضاف سالم إلى مهماته الكبيرة فكرة الارتقاء بالرابطة وانخراط كل الأدباء الأردنيين فيها، الأمر الذي تحقق في ما بعد بجهود جبارة من سالم وغيره من الأدباء مثل خليل السواحري وإبراهيم العبسي وإبراهيم خليل.
وأصبحت رابطة الكتاب الأردنيين إحدى أهم الروابط واتحادات الكتاب العربية، فقد ارتفع شأنها وأسهمت في خلق جيل جديد من الأدباء في الأردن، كما امتدت عالميا لتحتل مكانة رفيعة بين اتحادات الكتاب في العالم. كان سالم منشغلا بالنهوض بالرابطة أكثر من أي شخص آخر، لكنه لم ينس عشقه للأدب والفن، فأصدر مجموعته القصصية الثانية «وأنت يا مادبا» التي كان محتارا في تسميتها، فاقترحت عليه أن يسميها بهذا الاسم مقتسبا ذلك من مقولة إنجيلية كان يضعها في مقدمة المجموعة، فارتاح لذلك. وكانت المجموعة أكثر نضجا واكتمالا، حيث زاوج فيها بين الحس الفني العالي والهم الاجتماعي.
ولا أذيع سرا إذا قلت إن سالم كان يكتب الشعر بإحساس فنان وشاعر ربما أكثر من أولئك الذين أصدروا مجموعات شعرية، وكان يطلعني ويقرأ لي بعض قصائده التي وضع فيها كل أحاسيسه وأشواقه إلى الحب والسفر والبحر والخضرة والمطر ورائحة الأرض ومواسم الفرح. وعبثا كنت أحاول إقناعه بنشر تلك القصائد في كتاب خاص، لكنه كان يؤجل ذلك إلى وقت آخر.
وإذا ما توقفنا عند سالم النحاس الإنسان، فقد كان محبا لأصدقائه ومعارفه الذين يلمس فيهم الصدق الفني والإنساني، ولم يكن يتأخر عن الوقوف إلى جانبهم في المشكلات التي كانت تواجههم، وكان يجمع في بيته في معظم الأيام عددا غير قليل من هؤلاء الأصدقاء، ودائما ما كانت أحاديثنا تتمحور حول الرابطة وضرورة الإعلاء من شأنها، وأذكر أنه اقترح علينا أن تقوم الرابطة بعقد ندوات وأمسيات أدبية أيام الأحد والأربعاء، ما كان له الأثر الكبير في ترسيخ صورة الرابطة وتقدم الأدب في الأردن.
وأذكر أن أول أمسية قصصية عقدت في الرابطة العام 1974 كانت لسالم النحاس ومحمد خروب وإبراهيم العبسي. وكان الهم السياسي حاضرا أيضا في تلك الجلسات، ما كان يتسبب في بروز اختلافات في الرأي لم يكن سالم يرى فيها عيبا في السياسة، وإنما في المشتغلين بها وفي حسن اختيارهم للفكر السياسي الذي يتناسب مع وعيهم وتوجهاتهم العقائدية.
ثم أصدر سالم مجموعته القصصية الثانية «دروبي عواد» التي كانت أكثر تعبيرا عن فكره السياسي وانتمائه إلى وطنه وإلى مواطنيه، والتي استعاد فيها طفولته وشقاوة الحياة في مادبا، فكانت بحق مجموعة متكاملة في شكلها ومضامينها. ثم أصدر رواية «الساحات» التي يروي فيها عذابات القيود ومرارات الحرمان التي وقع هو فريستها، لكنه لم يكن يكتب عن نفسه بقدر ما كان يكتب عن الآخرين من المناضلين والمنادين بالحرية والديمقراطية.
وبعد؛ ماذا أقول أكثر عن سالم النحاس؟ بالتأكيد يمكن أن أمضي بلا نهاية في الكتابة عن ذلك الفنان والسياسي والنقابي والإنسان، وأستذكر مواقف لا تحصى ولا تعد مما هو خاص به ومما هو خاص بي، فقد كنت أكثر الملتصقين به، إذ كان يطلعني على كل ما يفكر ويحلم به، وكنت أخشى عليه من من حركته الدائمة، إذ لم يكن يجد وقتا للراحة أو لعله كان يدرك أن الوقت ضيق أمامه ليحقق كل أحلامه وطموحاته.
ووقع سالم فريسة مرض القلب اللعين، لكنه كان قويا بما يكفي ليتجاوز ذلك المرض ويمضي في الدروب التي اختارها لنفسه. وقد صعقت حينما علمت أنه أصيب بجلطة في الدماغ فهرعت إليه لأجده قويا كما العادة، لكنه كان مكسورا وجريحا، فتألمت كثيرا وتمنيت لو أنني بقيت على اتصال به بواسطة الهاتف، فذلك أهون علي كثيرا من رؤيته وهو يعاني بعض العجز. حتى حينما توفي تعذبت كثيرا في ما يمكن أن أفعل. هل أذهب لأراه ملفوفا بكفن أبيض ومسجى على سرير الموت تمهيدا لحشره في حفرة ضيقة هي الجحيم بالنسبة لي؟ فآثرت ألاّ أشارك في تغييبه حتى أحتفظ بصورة ذلك الفنان الكبير والسياسي الكبير الذي لم يكن يعرف العجز والاستسلام، وظلت صورته عندي طائرا محلقا يمكن أن أراه في ثورات الرياح وانهمار الأمطار وجريان الينابيع التي كان يشبهها وتشبهه.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }