في أواخر الثمانينات غنى المطرب السعودي محمد عبده، قصيدة انشودة المطر للشاعر بدر شاكر السياب، هذه القصيدة التي تعتبر واحدة من روائع الشعر العربي، وتمثل نموذجا رفيعا للشعر الحر، واضاف اللحن والاداء لهذه المزايا التي تتمتع بها القصيدة اضافات الى الغناء العربي وفي تجربة محمد عبده الفنية.
لم تنتشر الاغنية جماهيريا ولا حتى في اوساط النخبة المثقفة، ربما لأن الذائقة الغنائية في العالم العربي وحتى عند المثقفين اعتادت على الاستماع للاغاني العاطفية حتى الاغاني التي تكتب بالفصحى ولو لم تتعود ذاثقتنا على الاستماع لاعمال غنائية تحمل مضامين انسانية وتشتمل على جماليات شعرية عليا، فالمستمع يريد ان يسترخي وهو يستمع للغناء، وقلة من الناس تتقبل الاغاني والتي تبعث على التأمل والتذوق الجمالي للشعر والموسيقى.
وبعد ابتعاد الغناء عن القصيدة الفصحى مظهرا من اكثر مظاهر تراجع الغناء الذي لم يستفد عبر عصور الاغنية العربية من المخزون الكبير للقصيدة في العالم العربي، ورغم وجود محاولات متعددة في غناء قصيدة الفصحى ورغم وجود بعض المسرحيات الغنائية الا ان الاغنية العربية اهملت هذا الجانب الغني القادر على الارتقاء بها والنهوض بواقعها.
ان تجربة محمد عبده تدعونا للتساؤل عن الغربة والقطيعة بين الغناء العربي والشعر، ورغم التجارب التي قدمتها فيروز وعبدالوهاب واخيرا كاظم الساهر في غناء الشعر، الا انها هوامش محددة، ويظل الشعر العربي يزخر بالكثير الكثير من اللوحات الابداعية الصالحة للغناء، والتي طرحها محمد عبده في غنائه لانشودة المطر للشاعر بدر شاكر السياب.
ولعل اخفاق هذه الاغنية في الانتشار الجماهيري، حال دون ان يستمر محمد عبده او غيره من مطربي الخليج نحو الاغنية الشعرية، وان كان ذلك لا يمنع محمد عبده وسائر مطربي الخليج من النهوض بالاغنية عن طريق الشعر النبطي الحديث الذي يعتمد على تقنيات الحداثة في الكتابة الشعرية.
الحاجة الى تعميق هذه الظاهرة مطلب ثقافي وحضاري لاخراج الاغنية العربية من اجوائها الحالية التي اوغلت في التغريب حتى كادت تخرج على ثوابت الطرب العربي، ولا يمكن للاغنية ان تنهض الا اذا توحدت هواجس الشعراء للارتقاء بالذائقة الغنائية وكتابة نصوص تنتمي لقيم الثقافة العربية سواء كانت هذه القصائد بالفصحى او بالعامية.
وكل هذه الجهود التي تقدم هنا وهناك لا يمكن لها ان تأخذ طريقها الى الناس الا من خلال تفهم الاعلام لضرورة الارتقاء بالاغنية والقصيدة ومد جسور التواصل بينهما وبين الجمهور.
أنشودة المطر - بقلم : حبيب الزيودي
12:00 21-2-2007
آخر تعديل :
الأربعاء