محمد سلام جميعان- استبطأت نفسي كثيرا في الكتابة عن هذا الكتاب الفريد في موضوعه، الطريف في اسلوبه، فهو من الكتب التي تنعقد بينك وبينها صداقة القراءة الدائمة، سواء أكانت هذه القراءة منتظمة او متفرقة، وهذا هو شأن الكتب التي يكتبها مؤلفوها بإخلاص وحب وبخفة روح، وبلغة ندية، ويزينونها بلوحات شارحة ودالة تسترجع صورة الماضي الذي مضى وكأنه ماثل بيننا لحظة القراءة والنظر.
الموضوع الرئيس الذي يقطر بشهده الكتاب هو الفلكلور الدمشقي بما هو تاريخ الشعب وثقافته وامانيه، وقد جاء في ثلاثة اجزاء تناهز 1500 صفحة تشكل وثيقة أدبية واجتماعية وتاريخية، وقد أعيدت طباعته مرات كثيرة وهو من تأليف الأدبية السورية سهام ترجمان التي لها عدد من الاسهامات الادبية في القصة والتراث والشعر والفكر، وقد طغى هذا الكتاب «يا مال الشام» على مؤلفاتها حتى عرفت به فحسب لما تنبض به سطوره من تنوع وفرادة شكلتها المؤلفة في اضمامة زهر واحدة تلخصها لغة دمشقية لا تستحي من البوح عن ادق التفاصيل في الحياة الشامية، وبالاخص لحظة انتقاء العروس في الحمام وهي في هذا اقرب الى واقعية «اميل زولا»، ولعل القارىء يقف معي الآن على طراز كتابتها في هذا الجانب «فعلى ذكر تلك الحمامات ها هن النسوة عاريات في واحد منها، ويسمع «رقص وخلع على ابو جنب» واذا بواغل يعكر صفو المكان ويجفل النسوان، فمن هو يا ترى؟ عمر بن أبي ربيعة آخر يباغت المستحمات الجميلات؟ كلا. انه بكل بساطة طفل صغير، طفل ما طبق السبعة بشهادة أمه على الاقل التي انبرت تدافع عنه ضد النسوة اللاتي يطلبن خروجه بسرعة، ويسلقن والدته بنابي الكلام وقارصه.
- ما بيصير يفوت عالحمام. قد الشنتير مو صغير منوب.
- المسخ. لا. عم يرضع. روحي جوزيه.
- والله والله ما تفوتي انت وياه قدم لحتى ساوي جلدك .وجلد ابنك دربكات.
هذا النمط اللغوي في توثيق التراث الفلكلوري، ربما هو ما عناه الجاحظ عندما تحدث عن المستويات اللغوية في الحديث والكتابة، واكد ان من العامية ما يغني اكثر من اللغة الفصيحة، هذه اللغة التي لا تقوم مقام العامية في مواقف الخطاب. وحين تعمد المؤلفة الى هذه الانماط اللغوية فلأن لغة الشام المحكية هي من جملة الفلكلور، حتى في الحكايات التي دونتها رواية عن الآخرين، فانها تدرج هذه اللغة على لسان شخصياتها.
والكتاب دورق مليء بالاريج الذي تفوح من جنبات تاريخه مباخر البيوت القديمة، والاسواق العتيقة، والحمامات، واطايب الأكل، والتأشير على تنكات الفل على الاساطيح، فثمة عادات وتقاليد، وثمة حكايات عن الدين والتصوف، والتمرد والزعرنة، والحرية والياسمين، وطقوس الأعياد، وزلاغيط الاعراس. وباعة الترمس، والمتسولين «ما زالت الشحادة «اكرام» تتفتل بملايتها السوداء المتسخمة المرقعة في حارات دمشق الشعبية القديمة، وفي شوارعها البرجوازية الحديثة حتى اليوم، وما زلت اعطيها «حسنة من مال الله» وتدعو لي «بالرزقة» وأنا ابتسم لها بعين دامعة، وارتفع سعر الحسنة من قرش سوري من خرجيتي الى ليرة سورية من راتبي، بين زمنين يفصلهما ثلاثة وثلاثون عاما، وبين حيين قديم وشعبي اسمه «سوق ساروجه» وحديث ارستقراطي اسمه «ابو رمانة».
وانت تقرأ الكتاب تشعر بالنار المجنونة التي تستعر حنينا الى ماض مليء بالقعدات والسهرات، والأمسيات الغابرة، والحنين الى الفصول الاربعة بطقوسها، والرغبة الى ولادة ثانية في الماضي.. تكتب سهام ترجمان عن الشام بمسؤولية فارس عربي عن فرسه، وتشجل الأمثال والحكم والكلمات التي قالها الناس ليرووا بها عطش الشوق واللهفة، موائمة بين الحرف والريشة في تدوين تاريخ مدينتها الشعبي، وكما تشير في مقدمة الجزء من موسوعتها «يا مال الشام» فإنها كانت تضيف في كل طبقة جديدا من فكرة او صورة او بورتريه، لتقدم لنا حياة شعبية ذهبية يصح معها تساؤل «صباح قباني»: (لا ازال اتساءل أيهما احلى: الشام؟ أم كتابك عن الشام؟) ذلك ان الكتاب كما اسلفت، فيه جرأة، وفيه فلسفة كتبت بلغة عامية تسقط من حساباتها عبارة «يا عيب الشوم» من حسابات اللغويين، فالمؤلفة لم تستعر عواطفها وهي تكتب عن حب الفتاة الدمشقية، ولم تخجل من تدوين ملامح طفولتها الشعبية «طفلة تحب اللعب والنط على الحبل مع بنات الحارة على ارض حجرية بين جدران مهترئة وابواب خشبية قصيرة مزينة بالمسامير وقرب اكوام من قشر البطيخ والزبالة في الصيف وعلى طبقات من الطين وفي برك من ماء المطر في الشتاء، في حارة ضيقة جدا جدا بيوتها من شدة القرب، تكاد تقبل بعضها بعضا».
وقد افادت المؤلفة في تقديم موضوعات كتابتها، من اسلوب «الحكواتي» بل تتحدث عنه بلغة تجعلك تشعر انك تستمع اليه الآن. هو يحكي وأنت تسمع.. انه نبض اللغة الشاعرة وموحيات التصوير المشبع برصد ادق التفاصيل والتوغل في خلجات المشاعر للناس والاشياء، ونقل افكارهم واذا كان هناك كتب يحكى عنها ويكتب، فان كتاب «يا مال الشام» من الكتب التي تقرأ فحسب، فالحديث عنها ربما يفسدها، لانه يمتلك خصوصية رائحة الوردة، وطعم المشمش الحموي وكلاهما لا يمكن وصفه بل تنسمه وتذوقه، واعترف انني كنت «حكواتيا» فحسب، ولكنك عندما تتاح لك قراءة الكتاب ستغدو مرتاح البال «وتنام ملات عيونك».