تأتي رواية الكاتبة السعودية ليلى الجهني "الفردوس اليباب" والتي اعيد نشرها اخيرا لتشير الى سمات تبدوريادية في الرواية النسائية السعودية من حيث الموضوعات المتقدمة التي تعرض بجرأة معاناة المرأة في مجتمع لا يزال شديد المحافظة على رغم اخذه بكثير مما قدمته الحضارة الحديثة في مجالات شتى.
بعض اهمية رواية الجهني انها سبقت زمنيا عددا من الروايات الجريئة التي
كتبتها نساء سعوديات لا من حيث الجرأة فحسب بل من حيث الغور في معاناة
المرأة وتصويرها بما فيها من مفجع بلغة شعرية متوقدة.
وقد يكون الهيكل الروائي لما جاءت به الكاتبة الشابة بسيطا يختصر
بأحداث قليلة ويبدو من حيث "المشكلة" التي يطرحها كأنه من ناحية معينة لم
يثر امرا جديدا تماما.. الا ان الجهني استطاعت من خلال ابراز هذا التناقض
بين "حداثة" في انماط العيش ووسائل الحياة المعاصرة تعتمد على اخر ما انتجه
الغرب من وسائل راحة وتمسك شديد بل متحجر صوٌاني بتقاليد فرضها عالم
"بطريركي" على حد تعبير الراحل هشام شرابي. انه عالم الرجل ينفذ قوانينه
بما له من سلطة فرضها بنفسه.. واحيانا تنفذ له هذه القوانين نساء تعودن
على "فضيلة" اطاعة قوانين الرجل بل على الحماسة في تطبيقها.
صدرت الرواية عن "منشورات الجمل" في كولونيا بألمانيا وفي بغداد. وقد
جاءت في 93 صفحة متوسطة القطع. وكانت قد صدرت للمرة الاولى سنة 1999 كما
اشارت الجهني في نهايتها الا انها انتهت من كتابتها عام 1996 . هنا تبرز اهمية
نصوص الجهني هذه التي يمكن ادخالها في عداد الكتابة القصصية السعودية
الطليعية عن الموجعات العديدة التي تخضع لها المرأة.
ولدت الجهني عام 1969 في مدينة تبوك ودرست في جامعة الملك عبد العزيز في
المدينة المنورة ونشرت العديد من القصص القصيرة. وقد تخصصت في اللغات
الاجنبية وما زالت تتابع دراستها. اهمية اختصاصها هذا تبرز في ذلك الحشد من
الاشارات والافكار والاسماء التي توردها في مجالات الفكر والفلسفة والادب وعلم النفس. عنوان روايتها نفسه اي "الفردوس اليباب" يشير اشارة صريحة الى
مخزونها الثقافي الغربي.. فهو يأتي من دمج قسمين من عنوانين الاول عنوان
كتاب جون ميلتون "الفردوس المفقود" والثاني عنوان قصيدة تي.اس. اليوت
"الارض اليباب".
الرواية باختصار تتحدث عن قصة حب بين صبا وعامر. هي تعيش الحب
بكليتها معتقدة انه هو ايضا مثلها وانهما واصلان لاشك الى نهاية سعيدة
طبيعية بثقافتهما الحديثة ومعرفتهما بالعالم وما فيه من افكار وانماط
حياة حرة. لكنه في نهاية الامر لم يكن اكثر من شاب "دون جوان" مغرور وكل
ما بدا عليه من مظاهر التحرر والافكار الحديثة لم يكن اكثر من "قشرة" من
طلاء سطحي. عاد الى "اصله" وتركها مع جنين في احشائها ولم تلبث ان اكتشفت
انه خطب صديقة مخلصة لها لم تكن تعرف شيئا عن علاقتهما. كان متبجحا
ودنيئا. تنتهي قصة صبا بالموت اذ قضت على نفسها تخلصا من "العار" بعد ان
اكتشفت بمرارة ان المرأة لم تزل وسيلة متعة وان الحديث عن الحب والحرية
والمساواة كذبة كبيرة عند رجال يعتقدون ان من تسلم نفسها لمن تحب تسلم
نفسها لغيره.
تبدأ الرواية عندما شاهدت صبا حبيبها مع صديقتها خالدة وذراعه
بذراعها. كانت ردة فعل صبا غريبة غير متوقعة. انها تشبه بشكل ما بطل
رواية "زوربا" للكاتب اليوناني كازانتزاكيس. زوربا يعبر عن حالاته
النفسية بالرقص او انه "ينفس" به عما في داخله احيانا. لكن ردة فعل صبا
جاءت اشبه بحالة هستيرية. تقول بشعرية عصبية متوترة باكية صارخة متضرعة "واذ رأيته واقفا بجوارك ليلتها اردت ان اغني. اجل كان الغناء هو كل ما تواثب الى الذهن وذراعه تلتف حول ذراعك مثل افعى. اردت ان اصرخ "خالدة لا". وقفت الكلمات خلف الشفاه وبدا ان العالم صاخب الى حد الا تسمعينني.
ماذا اغني في تلك اللحظة وانا ارى عامرا الرجل الذي قال لي "احبك" بكل
طريقة ممكنة. قالها صارخا ضاحكا مستلقيا سابحا هامسا حزينا محبطا. قالها
وهو يقبلني قالها وهو يهزني بعنف. ماذا اغني وانا اراه وهو يلبسك ياصديقتي
التي لا تعرف شيئا.. خاتم الخطبة"..
وتروي لنا حكاية عملية الاجهاض التي اضطرت الى اجرائها. ومن خلال
السرد تصور الكاتبة التغير الذي طرأ على مدينة جدة والذي في وسط اجوائه
نشأت قصة حبها المفجعة. تتحدث عن طفلها الجنين السائر نحو الموت فتقول
مخاطبة صديقتها العزيزة التي غدت مثلها ضحية الرجل الكاذب والمستبد لمجرد
كونه رجلا "جدة امس.. جدة اليوم.. جدة غدا.. /يا ويلي من غدي هذا/ ...
خيبة على خيبة يا ست. لم يبق شيء يا خالدة. لا.. بقي الطفل.. بقي الاثم..
الشاهد الوحيد الذي لم يقل ما عنده. شاهد المهزلة ودليلها الوحيد الموجع.
لو انه يخرج رأسه الان... دقائق ليلقي نظرة على هذا العالم الصاخب من
حولنا.. "عالم الكوكا كولا وهي تصرع البيبسي بالحملة الترويجية. عالم الهاتف
الجوال والانترنت واقراص الليزر والبقر المجنون وحمى ايبولا وجنون الاولمبياد الذي لم يهدأ بعد. العالم الذي يموج من حولنا.. ارهابيين ومتطرفين اصوليين
وتقدميين ليبراليين ومتشددين ومنظمات واحزابا واحلافا مشبوهة تطبق
بكلاليبها علينا من كل جهة وتكتلات اقتصادية. اجل المال المال المال المال.
اللغة التي لا يختلف اثنان في فهمها. المال في البحر.. على الشطوط.. في
الشوارع والبنايات الضخمة. المال الذي لا يقف امامه شيء.. وانت وانا يا
خالدة ضائعتان وسط هذا الجنون. نهرب او ربما كنت اهرب وحدي الى الشعر
والروايات والقصص والاحلام".
في غمرة تصوراتها التي سبقت مسيرتها الى الموت تتصور ما كان سيقال وفقا
للعقلية السائدة. "كان يجب ان اخرج اليهم في الشوارع الانيقة النظيفة
استصرخهم اتشبث بأطراف ثيابهم كي يلتفتوا الي ويحسوا بي. /وا عرباه وا
عرباه ادركوني اغيثوني. غرناطة جديدة ستهوي. قدس اخرى ستسلب. التفتوا
الي اغيثوني لا تضيعوني/. وتتصور ردودهم وردود فعلهم ومنها "/اش بها هادي
اتجننت../.. /ول.. ول. فين اهلها.. مفلتينها كدا في الشارع ليه../.. /والله
ما ادري يا خويا/.. /اخصروكم منها. واحدة ملعونة جايه تشبه نفسها بالاندلس
والقدس. تفوه. اش جاب لجاب يا بنت ال... روحي ارمي بلاويك على غيرنا/..
/هادا اللي كسبناه من الدش.. دش السواتل.. لعنة الله على اليهود. بناتنا
اتفلتوا في الشوارع يصيحوا.. وا عرباه.. وا زفتاه ومدري اشٌكلو/.. /لا
وانت الصادق هذا اللي كسبناه من تعليمهن. علٌم بنتك ولا اختك عشان تطلع
بكره في الشارع تنادي وا عرباه. وش يدريك ساعتها عرباه هذا ولد مين"../
رويترز..ح