مسرحية «حمام بغدادي» لجواد الاسدي..بوح يقود إلى التطهر

مسرحية «حمام بغدادي» لجواد الاسدي..بوح يقود إلى التطهر

دمشق- ناجح حسن - يلتقط المخرج جواد الاسدي في مسرحيته الجديدة المعنونة «حمام بغدادي» التي يعرضها على مسرح صالة «الحمرا» بالعاصمة السورية دمشق نموذجين لبقايا شخصين هما في الأصل شقيقان يعملان على سيارات الأجرة بين عمان وبغداد.
يضعهما المخرج مباشرة أمام الجمهور يبوحان بكل التفاصيل الحياتية واليومية التي طالما جمعتهما وفرقتهما طوال حقبة العقدين الأخيرين وانعكست آثارهما على سلوكهما الشخصي مما أدى إلى انفصالهما وتنافرهما بأكثر من محطة قبل أن تحين لحظة المكاشفة والتصالح والتي تؤدي إلى التطهر الذاتي والأخلاقي والتعانق ولكن بعد فوات الأوان.
بديكورات بسيطة يغلب عليها رسومات الفنان التشكيلي العراقي جبر علوان لأجواء الحمام البغدادي الشعبي ومفردات لحوض وأريكة ومغاسل حجرية تبدو مهملة أضاف لها الاسدي قبيل نهاية العرض تابوت بحيث وظفها جميعا في حوار ثنائي «ديالوج» مليء بالصراخ والتصعيد به قبل أن يتلاشى صوت احدهما ويخبو بانجراحية المهزوم.
تنطلق الأحداث الأولى للمسرحية من داخل الحمام الشعبي في العاصمة بغداد التي قصدها الشقيقان بعد نهاية يوم عمل طويل ومرهق ومع قطرات المياه المتساقطة على أجسادهما بالتبادل يدور بينهما سجال طويل أشبه بالمعاتبة بين الأخ وأخيه ، ورويدا رويدا يعلو العتاب ويتصاعد إلى حد التشابك بين الاثنين.
فالحوار يأخذهما إلى المنزلقات والسلوكيات السيئة للشقيق المتعجرف الذي يقضي أيامه طائشا خلف نزواته الكثيرة ولا يقيم وزنا لأسرته ، فقد مات والده دون أن يكلف خاطره مشاركة عائلته المشي في جنازته ، وفوق هذا كله وضع نفسه في خدمة قوات الاحتلال الأميركية والتي اخذ يتفاخر في علاقاته معهم وبدأ يقطف ثمار هذا التحول في إبرام عقود وصفقات لكنه في المقابل يذكر شقيقه بماضيه السابق وقيامه بمهمات تخدم النظام في ممارساته القمعية. على طرفي نقيض لروايتين تتحدى احداهما الأخرى تسير مسرحية «حمام بغدادي» على خشبة أثقلها بخار الحمام المتصاعد والمطعم برائحة البخور وأصوات التفجيرات المتعاقبة التي بثت الفزع في الحضور أسعفتها جماليات مفرطة للظل والنور والعتمة لتكوينات آتية من عمق الخشبة وسينوغرافيا لتشكيلات حركة الجسدين المتحررين في إحياء جميل لمفردات المسرح الكلاسيكي وكل ذلك يأتي بإشارات ودلالات في محاكاة نضرة لشكسبير والسياب مثلا يسبغها الاسدي على الواقع العراقي في أداء قوي وجذاب.