محاطا بالأخضر..
وكأن الشجر على جانبي الشارع الذي يخترق قرية الفيصلية، يريد أن يضفي بأجنحة أغصانه، ترحابا نقيا لكل من يمرّ به.
وكأن السرو والزيتون في حال تأهب دائم لاستقبال القادم إلى القرية ليكون دخوله إليها حميما حين يعبرها قادما من جهة مأدبا المدينة قبل أن يزور أماكن القداسة المنتشرة في غير مكان فيها.
أول القرى، غربا، وكأنها تبتهل..كانت من موقعها هذا تودع أبناءها ليوصلوا تجارتها، أو يبيعوا مواشيها، أو يبنوا خنادقهم في الأماكن المطلة على فلسطين والبحر الميت في الجهة الغربية منها حيث كان قد أتى إليها من سكنها من أهلها، أيام كانوا يقطنون المرابع والطِيران في تلك النواحي.
كان هذا من زمان..
من قبل أن يوجد اسم الفيصلية، وقبل أن يكون لها هذا العنوان..
للقرية قصة تتوارث على ألسنة من صاروا أهلها، ودماء جسدها، وصارت ذاكرة بعد أن كانت واقع حياة.
المغائر، وبيوت الشعر، ومنازل مجبولة بالتراب والتبن قبل أن تصير مأوٍ طينية وحجرية، تلك كانت أماكن وجود أهل الفيصلية قبل أن يسكنوها، وكانوا في المساحات القريبة منها في عيون موسى، والحُمرة، والمِحترجة، والحجار الطوال، وعين الكنيسه، ورجم الغزاوي، والهنيني،..، في تلك الأماكن كانوا يتواجدون، قريبا من مصادر رزقهم: أرضهم، ومواشيهم، والماء الذي بدأوا يألفونه ويستغلونه في الزراعة إضافة إلى سقاية مواشيهم منه.
حين بدأوا يتحفزون للتجمع في مكان قريب من مأدبا، وسعيا وراء المدارس لتعليم أبنائهم، انتقلوا إلى الكفير، الاسم القديم للمكان الذي توجد فيه الفيصلية الآن.في البدء..كان قد سكنه اثنان بنيا بيتين، ثم امتدت القرية بعد ذلك، وحين تشعبت المساكن فيها تم إطلاق تسمية كفير الوخيان عليها، لوجود تعداد من هذه العائلة هناك، وبقي هذا الاسم قلقا لعدة سنوات لوجود عائلات أخرى في القرية مما دعا الدولة إلى اتخاذ قرارها، بناء على حال هذه القرية وقرى أخرى، بتغيير أسمائها لأسباب عدة احدها كسر حدة الخلافات العشائرية في بعضها، وكان أن تم تغيير اسم قرية الكفير إلى الفيصلية، لتأخذ تسميتها الحالية منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي.
الفسيفساء الاجتماعية
هي عدة تجمعات سكانية، بعضها قريب والبعض الآخر على مقرط العصى من مركز القرية لكنها كلها ترجع في تآلفها إلى الفيصلية، رغم تفرع العائلات فيها التي تشكل اربع عائلات(الوخيان، أبو الغنم، المساندة، الشاهين) ما يزيد عن سبعين في المئة من تعداد القرية، بينما تتآلف معها العائلات الأخرى )الشعراء، المجاولة، الحراويين، العقيطات، الفواعير، العجوري، أبو السكر، القعاقعة، أبو لوز، العميشات، العتيلات، الشوابكة، البدور، العبادي) مشكلة الفسيفساء الاجتماعي لبنية القرية، وتفاصيل الحياة فيها، بعيدا عن دائرة الضوء المسلطة على عدة بقع تكون القرية مرجعيتها، وهي بعض منها، لكنها صارت مركزا دينيا عالميا بعد تثبيتها على خارطة طريق الحج المسيحي (جبل نبو، المخيط، عيون موسى)والتي صارت تستقطب حجاجا وسياحا يعرفون الماضي ولا يدرون شيئا عن حاضر الذين يبثون الحياة في تلك الأمكنة.
المخيط.. حارس كنائس
سيارة فخمة ، وبها سيدتان..
توقفت، ثم نزلتا منها أمام الكنيسة التي يحرسها علي حمد المفرّج ، وكان يتحدث معي بحميمية عن التاريخ القريب لعائلته في الكنيسة التي كانت بيتا لهم قبل عملية اكتشافها.
تركني وذهب لاستقبال الزائرتين، فتابعته وهو يفتح الباب ويشرح لهما عن الكنيسة المشيدة على اسم القديسين لوط وبروكوبيوس، التي زخرفت بالفسيفساء أيام يوحنا، أسقف مادبا(سنة562) على نفقة بعض المسيحيين الأتقياء..
ووصلني صوته، وهو يشرح عن أرضية الكنيسة وزخرفته وما كتب عليها باللغة اليونانية : (يا اله القديسين لوط وبروكوبيوس، إقبل تقدمة سركيس وولده بروكوبيوس، لأجل خلاص ريباتا ابنة اناسطاسيا، ولأجل راحة يوحنا ابن اناسطاسيوس، ولأجل الذين ساهموا والرب يعرف أسماءهم..).أكمل الجولة، وودع الزائرتين، وعاد ليكمل لي ما بدأه حول ما يشبه الحرق كان يشوه تلك الأرضية الفسيفسائية في الكنيسة، داخلا من خلال هذه الملاحظة إلى علاقة عائلته بالمكان..
قال:كان جزء من أهل الفيصلية يسكن هنا، في المغائر، وبيوت الشعر، والخِرَب القديمة، وكان يسكن هذه الكنيسة والدي حمد مفرج العقيطان، ومعه طلاق غدير العقيطان، كانا في هذا المكان مع اغنامهما وعائلاتهما، وكان يقول لي والدي أن أرضية الكنيسة هذه كانت ترابية، وكانوا يوقدون فيها النار، ويطبخون، وما كانوا يتصورون أنهم يسكنون مكانا بهذه الأهمية، إلا عندما جاء الآباء الفرنسيسكان عام 1932 واشتروا موقع الكنيسة هذه، ومعها أيضا القسم العلوي من بلدة نيبو، ثم بنوا على الفسيفساء ليتم المحافظة عليها، وعينوا والدي حارسا عليها، قائلين: انتوا أَولى بحراستها، كان هذا منذ البداية، من عام 1932، وبقيت في المكان تحرسه والدتي الحجة ميثا بعد والدي، ثم استلمت المكان من بعدها.
ويتابع: أتذكر انه كان هناك غرفة وراء الكنيسة نقيم فيها ، إلا أنهم في عام 1974 بنوا لنا سكنا صغيرا وهو الذي اسكن فيه على مسافة مئة متر من الكنيسة.ويشير علي المفرّج إلى بقية الكنائس على التلال المجاورة له معطيا وصفا مشابها لها، وكأنه يرسم المكان قبل ثمانين سنة موضحا:هذا الوادي الذي يقع شرق الكنيسة اسمه وادي العفاريت سموه بهذا لأن ترداد الصوت والصدى كان عاليا فيه، فأعتقد الأوائل بأنه تسكنه العفاريت، وسمي بهذا الاسم، وفيه كنيستان تعودان لعيال سليمان المسانده وعلي المسانده. وقد اشترتها منهم دائرة الآثار.
أما كنيسة مار جرجس، وأشار إلى المرتفع الذي يقع جنوب الكنيسة التي يحرسها، فقد اشتروها الفرنسيسكان من محمد المفلح أبو الغنم.وأشار إلى عائلة ما زالت تسكن قريبا من دير المخيط فقال هذول هم عيال أمين، وأكمل عيال أمين الفاعوري جاءوا من الثلاثينات جاليين (من الجلوة) على مشكلة دم إلى الفيصلية والمخيط من السلط.
قال أن المناطق حوله مليئة بالمغائر والكهوف، وفيها أكثر من مائتي مغارة وفيها مقابر قديمة، إحدى تلك المغائر صاروا يدفنون فيها حديثا أموات المسلمين خاصة الأطفال، وكان قد حفر واكتشف هذه المغارة بروفيسور فنزويلي.
جاء زوار آخرون لزيارة الكنيسة فاستأذنت من حارسها مكتفيا ببعض ذاكرته قبل أن انتقل إلى أماكن أخرى وأحاديث مختلفة عن قرية الفيصلية.
عيون موسى
يقول المونسنيور جورج سابا والعلامة الأستاذ روكس العزيزي في كتابهما مادبا وضواحيها:
(والطريق التي تؤدي من مادبا إلى نبو قصيرة، تسير مسافة عشرة كيلو مترات غربا.وهي طريق الأزمنة والأجيال. كان يحيط بها قديما حجارة كبيرة.ولدى وصولها إلى جبل نيبو، كان يتفرع منها دربان: درب إلى عيون موسى، والآخر إلى خربة المخيط، ثم شقت طريق حديثا حتى عيون موسى، سنة1931، وأتمتها حراسة الأراضي المقدسة إلى صياغة سنة 1933.
وتتهادى الطريق في منطقة تتراكب فيها الروابي.وتدعى الرابية الوسطى: جبل نبا(وهو مليء بالأنصاب).والرابية الغربية هي صياغة. وعلى تل منفرد مفرد جنوبي رابية صياغة، تظهر آثار المخيط.وتحيط بالمنطقة الأودية:جنوبا، وادي العفاريت، ووادي الجديد، ووادي الكنيسة، وشمالا وادي عيون موسى المشهور بعيونه المتدفقة.وقد رأينا أنه صار يسقي مدينة مادبا الحديثة بمياهه، منذ سنة 1931.
ولما عرجت عليه السائحة الحاجة ايجيريا، في نهاية القرن الرابع، أعجبت بعذوبة هذه المياه الصافية، التي كانت تجري من صخرة واقعة بين كنيسة هناك وبين صوامع النسّاك. وفي هذا الوادي أيضا، دفن موسى النبي، حسب ما جاء في التوراة، من أنه دفن في وادي بلاد مؤاب، قبالة بيت فجور (وهو وادي عيون موسى نفسه).
وعلى هذه العيون ما زالت المزارع والخضرة والماء الجاري، والحمام الساكن في شقوق الطور، وهي معروفة عند أهل الفيصلية بالفطر الذي يشتهر فيها في شهر كانون ثاني، إضافة إلى أن وادي موسى يمتلك منظرا خلابا من خلال شلال المياه فيه، والذي صار مكانا فريدا ومطلوبا لتصوير كثير من لقطات الدراما التلفزيونية الحديثة بوصفه كهفا للماء هناك.
ويوجد في هذا الوادي المسمى باسم العيون وادي عيون موسى، في الجهة الغربية منه ترميم لكنيسة قديمة، وتصف الكتب أنه من هذه العيون، وإذا تم تتبع الطريق باتجاه الشمال منها فلا بد من الوصول إلى الطريق الروماني القديم الذي يربط مدينة اسبوس(حسبان) بمدينة ليفياس(الرامة) عند أسفل جبل نيبو حيث كان القدماء يسلكون هذا الطريق قاصدين مقام النبي موسى.
ويشير أهل القرى إلى عيون ماء أخرى منتشرة في أرجاء منطقة الفيصلية تعتبر عيون موسى إحداها أما البقية فهي معروفة بأسمائها، مثل عين جمالة الواقعة شمال جبل صياغة، وعين الجديد، وعين كنيسة، وعين هيري الواقعة إلى الجنوب.
مغارة وادي الحَشْره
هذا واد ضيق جدا، ولعله أُعطي هذا الاسم لمقدار هذا الانحسار فيه، وهو يقع غرب القرية، وفيه عين ماء اسمها عين الذَر(وهو النمل الصغير)، ويروي أهل القرية أنه توجد فوق وادي الحشرة هذا مغارة فيها هياكل عظمية ربما تعود إلى زمن عهد الإنجليز في المنطقة، لأنها ليست قديمة وفيها بقايا ملابس، تظهرعلى تلك الجثث آثار تعذيب، ويعتقد الناس هنا أنها تعود إلى مجاهدين كانوا يمرّوا من هنا إلى فلسطين، وكانوا يهربون السلاح إلى المجاهدين هناك أيام الثورات الفلسطينية في الضفة الأخرى.
مزار الهنيني
ما تبقى منه صخرتان..
ولكن أهل القرية ما زالوا يذكرون المكان بأنه مزار الهنيني، وهو يقع على يمين الطريق المؤدي إلى البحر الميت بعد صياغه، وكانت تعود ملكيته إلى احد شيوخ المنطقة إلا انه قد باعه ، والمزار حجري الآن، لا بناء عنده، وحوله أرض محروثة ، ويقال بأن أهل المنطقة كانوا يقدسونه ، ويتقربون منه بالعطايا تباركا وتعبدا ووفاء بنذور كانوا قد التزموا بها.
وكانوا يضعون عنده بعضا من مؤونتهم كأنها حصة له مما يكسبون، ومن هذه المؤن كانوا يضعوا الجميد، وحين يأتون في اليوم الثاني ولا يجدونها(وهذا بسبب اللصوص الذين يسرقونها أو الحيوانات التي تأكلها)، كان مقدمو التقدمات هذه يفرحون بأنها قبلت منهم وسوف تلبى دعواتهم ومطالبهم.
ويُروى في القرية أن اثنين من أبنائها في تلك الفترة كانا هما من يقوم بسرقة تلك التقدمات لكنهم في إحدى المرات احضروا حصيني(ثعلب) وقتلوه ووضعوه عند مزار الهنيني بعد ما أخذوا كل المؤن الموجودة هناك، ووضعوا تحت أسنان الحصيني قطعة جميد، وتركاه إلى اليوم الثاني. وحين حضر مقدمو التقدمات ورأوا الحصيني الميت فرحوا بأن الهنيني تقبل التقدمات وقتل الحصيني لأنه حاول أن يتعدى على قداسته ويأكل من المؤن المقدمة له، وذهبت تلك القصة مثلا على بساطتهم في تلك الفترة.
وقريبا من المزار يوجد مرتفع، يصفون اطلالته بأنها الأجمل والأقرب وحين تكون السماء صافية تتضح للأعين الضفة الغربية، وهذا المكان يسمونه طُور الهوّايات نسبة إلى الهواء الذي يضرب به من كثرة ارتفاعه، ولجمال المنظر الذي يشرف عليه.
العلاقة بفلسطين
الفيصلية..
مرتفعة، ومطلة على فلسطين، وقد أورثت هذه الإطلالة وتلك الجغرافيا السكان علاقة مختلفة بفلسطين قديما وحديثا، والمحبة لم تأت من فراغ، هكذا يتحدث أهل القرية من أن لهم أولاد ماتوا في الثورات والحروب في فلسطين، والبلدة مليئة بالخنادق، وكثير من أبنائها من أفراد القوات المسلحة.
يقول الكبار من أهل المنطقة أنهم وآباءهم كانوا كثيري الذهاب إلى فلسطين التي كانت قريبة منهم وخاصة القدس اقرب مركز تجاري لهم، ويبيعون هناك الحلال والسمن والجميد ويحضرون بقية مؤنهم، فكانوا يقولون إذا ذهب احدهم إلى الضفة الأخرى:والله أبو فلان قطع (أي عبر)على فلسطين، وكان بعضهم يقضي الخدمة العسكرية هناك أيضا حتى قبل عام 1967، ولهذا فهناك كثير من أبنائهم من مواليد فلسطين لأن الآباء (العسكريين) كانوا يأخذون عائلاتهم ويسكنون هناك قريبا من مكان خدمتهم العسكرية.
ادريس وأهل يطّه
ويتوارد أهل القرية طرفة عن الشيخ محمد مناور أبو الغنم أنه كان له في الأربعينات ابن يعمل في القوات المسلحة الأردنية ويخدم كسائق مركبة عسكرية في بلدة يَطّه في فلسطين وكان اسمه إدريس.
في احد أيام تشرين وهو يقود مركبته ، لفتت نظره فتاة من أهل تلك البلدة وكانت تلبس على رأسها حَطّه، وتجدّ(تقطف) الزيتون، فبقي منتبها إليها، ويتأملها ناسيا مركبته التي اختل توازنها مما أدى إلى وقوع حادث وإصابته إصابة بسيطة مع وقوع أضرار على المركبة.
بعد تجاوز الحادث وصل الخبر إلى أبيه الشيخ محمد الذي كتب له معاتبا ومداعبا بيتين شعر ما زال أهل الفيصلية، رغم أن إدريس توفي عام 1976، يذكرونها حتى الآن ، وهي التالية:
يا ادريس، يا شين، ويش سويت
عينك على لابس الحطّه
على الكوربة ما هدّيت
فضحتنا مع أهل يطّه