لم تكن رسائل افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين محصورة بما جاء في خطاب العرش السامي، فثمة رسائل أخرى حملتها المشاهد والتفاصيل، وربما كانت في دلالاتها أعمق من كثير من الكلمات، إذ بدا المشهد الأردني اليوم وكأنه يقدم رواية متكاملة عن دولة تعرف قيمة إنسانها، وتحفظ ذاكرة شهدائها، وتعتز بهويتها، وتستعد لمستقبلها، فما هي الرسائل؟.
فحين ارتدت جلالة الملكة رانيا العبدالله المدرقة الكركية، لم يكن المشهد مجرد اختيار لزي تراثي، بل استحضار لمدينة الكرك ومكانتها في الوجدان الأردني، وتأكيد على أن ذاكرة المكان وأهله وتضحيات أبنائه جزء أصيل من هوية الدولة.
وحين ظهر سمو ولي العهد بزي سلاح الجو الملكي، حضرت صورة المؤسسة العسكرية بما تمثله من انضباط وجاهزية وانتماء، وفي الوقت ذاته صورة جيل يحمل مسؤولية المستقبل، معلنا على انه جندي في خندق الوطن كما غيره من رفاق السلاح.
أما حضور ذوي الضحايا والشهداء في "قرية حمود" الكرك، والوقوف دقيقة صمت على أرواحهم، فقد كان من أكثر لحظات المشهد تأثيرا؛ فالدولة التي تحترم أبناءها لا تكتفي بتعداد تضحياتهم، بل تجعل ذاكرتهم حاضرة في وجدانها ومناسباتها وقراراتها، وهذه رسالة تتجاوز حدود المواساة إلى معنى الوفاء والمسؤولية الوطنية.
واللافت أن هذه المشاهد جاءت في توقيت يحتاج فيه الأردن إلى تعزيز مناعته الداخلية، في ظل تحديات أمنية وإقليمية واقتصادية متشابكة، تحاول أن تفرض على المنطقة واقعا صعبا، وهنا تحديدا تكمن أهمية الرسائل التي حملها المشهد؛ فالإرهاب يريد تفكيك المجتمعات وزرع الخوف بينها، بينما يقدم الأردن صورة معاكسة عنوانها التماسك والهوية المشتركة والوفاء.
الرسالة الأهم، وهي التي تؤكد على ان الدولة القوية ليست فقط تلك التي تحمي حدودها وتحفظ أمنها، بل التي يشعر مواطنها بقوتها في حياته اليومية، وفي كرامته ومعيشته وفرصه وعدالة مؤسساتها، ولعل هذا هو المعنى الذي يربط مشاهد اليوم بخطاب العرش، حين أكد جلالة الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه.
خلاصة القول، إن ما شهدناه اليوم لم يكن مجرد مشاهد بروتوكولية في افتتاح دورة برلمانية، بل صورة تختصر حكاية دولة تعرف أن أمنها من أمن إنسانها، وأن هويتها من جذورها، وأن مستقبلها من قدرة مؤسساتها على حماية مواطنيها وصون كرامتهم. فالأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأخطار، بل بقدرتها على تحويل تضحيات أبنائها إلى مسؤولية، ووفائها لشهدائها إلى نهج، وثقة مواطنيها إلى إنجاز.