تقف محافظة المفرق على شبكة واسعة من الأودية والمسيلات المائية التي ظلت عبر العقود تتراوح بين كونها مصدرا للنماء والتغذية الجوفية، وكونها خطرا يداهم الطرقات والمنازل في مواسم الشتاء الغزيرة.
وفي حديث يتنسم عبق الماضي، يرجعنا الباحث والمختص في التراث الشعبي ورصد الأحداث التاريخية، أحمد ارشيد عليمات، إلى الأثر التاريخي لهذه المسيلات في وجدان سكان المنطقة قائلاً: «لم تكن الأودية في المفرق مجرد مجارٍ مائية عابرة، بل كانت تشكل شريان الحياة وحاضنة الاستقرار الاجتماعي للقبائل والسكان. كانت عيون آبائنا ترقب 'مسيل الوادي' بشغف، فالسيول القادمة من المرتفعات كانت تعني موسماً خضيراً ووفيراً للمراعي، ورسمت ذاكرة شفهية مليئة بالقصائد والروايات. ولكن في الوقت نفسه، حفظ التاريخ أحداثاً جساماً؛ حيث شهدت المنطقة على مر العقود سيولاً جارفة أوقفت الحركة وعزلت مناطق كاملة، مما يحتم علينا دوماً احترام مجاري المياه وعدم التعدي على حرمها التاريخي."
ومن زاوية السلامة الزراعية والأمن المائي، يسلط المهندس الزراعي سعد المشاقبة الضوء على الجانب الفني والتأثير البيئي لهذه المسيلات بالقول: «إن الأودية في محافظة المفرق تمثل نظاماً هيدرولوجياً حيوياً للغاية. تدفق المياه عبر بطون الأودية يغذي المياه الجوفية ويساهم في الحصاد المائي الذي تعتمد عليه الكثير من الزراعات والمراعي الطبيعية. إلا أن المخاطر تكمن في الجريان السطحي القوي وتآكل الضفاف، حيث تؤدي الفيضانات السريعة إلى انجراف الطبقات السطحية الخصبة من التربة وتدمير بعض المحاصيل. الاستثمار الأمثل يكمن في إنشاء الحفائر الترابية والسدود الصغيرة لضبط حركة المياه والاستفادة منها دون حدوث أضرار بيئية».
وحول دور البلديات في مواجهة التحديات ومحاصرة المخاطر، يتحدث رئيس لجنة بلدية أم الجمال، محمد خليل أبو عليم، مؤكداً على خطط الطوارئ وتحديث البنية التحتية: «تضع البلدية ملف الأودية والمسيلات المائية على رأس أولوياتها التنظيمية والخدمية. نحن نعمل باستمرار على تنظيف مجاري السيول وتأهيل العبارات الصندوقية والقنوات لمنع أي انسدادات قد تؤدي إلى مداهمة المياه للمنازل أو إغلاق الطرق الرئيسية. البناء العشوائي والتعدي على حرم الأودية تشكل التحدي الأكبر بالنسبة لنا، ولذلك نوجه رسالة دائمة لأهالينا بضرورة الالتزام بالتخطيط العمراني وتجنب إقامة أي مبانٍ أو منشآت بالقرب من المسيلات المائية لضمان سلامة الجميع».
وعلى خط المواجهة المباشر مع المنخفضات والمخاطر الجوية، ينقل لنا أكرم شرف الخالدي، الراصد الميداني، الصورة الحية لما يجري خلال الشتاء محذراً: «خلال المنخفضات المطرية الحادة، نرقب مجاري الأودية ومقاطع الطرق القريبة منها ببالغ الحذر. تتصف السيول في المفرق بأنها 'فجائية وسريعة' نظرًا لطبيعة الأرض والتربة والجفاف المسبق. نلتقط مشاهد متكررة لمركبات تحاول عبور الأودية أثناء تدفق المياه مما يعرض حياة ركابها للخطر الشديد. التوعية الميدانية والتنسيق الفوري مع الجهات المعنية وغرف العمليات هو المفتاح لمنع الكوارث قبل وقوعها، فنحن نتعامل مع طبيعة سريعة التقلب».
وتجمع شهادات الخبراء والمسؤولين والميدانيين على أن الأودية والمسيلات المائية في المفرق، رغم جماليتها وأهميتها البيئية والتاريخية، تتطلب التعاطي معها بحذر ومسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والمواطنين، ليبقى الشتاء موسم خير وبركة بعيداً عن المخاطر والحوادث.