ومن واقع التجربة والمراقبة الحثيثة لواقع السير، تبرز اليوم ظاهرتان تشكلان خطورة مباشرة على الطرقات:
أولًا: اندفاع العزم الفوري وخلل تقدير المسافات.
تتميز المحركات الكهربائية بقدرتها على التسارع الخاطف واللحظي بمجرد الضغط على الدواسة. هذا الاندفاع الفجائي يتسبب في خداع بصري للسائقين الآخرين؛ فحين ينظر السائق في مرآته الخلفية ويشهد المركبة الكهربائية بعيدة، يتخذ قراره بالانعطاف أو التجاوز بناءً على تقديره التقليدي لسرعة السيارات، ليفاجأ بالمركبة الكهربائية أصبحت بجانبه في أجزاء من الثانية. هذا الخلل في تقدير "زمن الوصول" يتجلى بوضوح عند الدواوير والتقاطعات الحيوية، مما أدى إلى تصاعد حوادث التصادم المفاجئ.
ثانيًا: غياب الصوت وضياع التنبيه السمعي للمشاة.
تاريخيًا، اعتمد المشاة في شوارعنا – وخاصة الأطفال وكبار السن – على حاسة السمع كخط دفاع أول للوعي بالطريق؛ حيث كان ضجيج محركات الوقود ينبّه المشاة بقدوم سيارة من خلفهم أو خلف المنعطف، فيأخذون حيطتهم. اليوم، ومع صمت المركبات الكهربائية المطبق عند السرعات المنخفضة، يواجه المواطن الذي يسير على جانب الطريق خطر الدهس دون أن يشعر بأي مؤشر صوتي يقترب منه، مما يتطلب تغييرًا جذريًا في السلوك البشري للمشاة.
(خارطة طريق أمام المجلس الأعلى للسلامة المرورية)
تستدعي هذه المعطيات تحركًا فوريًا من المجلس الأعلى للسلامة المرورية والجهات التنفيذية، لوضع ضوابط تشريعية وفنية عاجلة لحماية الأرواح، وتتحدد في المحاور التالية:
1. إلزامية نظام "النقطة العمياء":
المطالبة بتعديل شروط الاستيراد والجمركة لتكون خاصية تنبيه النقطة العمياء (Blind Spot Detection) مواصفة إلزامية في كافة المركبات المدخلة حديثًا للمملكة. هذا الجهاز الحساس يعطي إشارة ضوئية حاسمة على المرآة تنبّه السائق بوجود سيارة غير مرئية بجانبه، وهو أمر ضروري لحماية السائقين عامة والمبتدئين والمبتدئات خاصة من مباغتة التسارع الكهربائي.
2. تنظيم تركيب الأنظمة الصوتية (AVAS):
لمعالجة خطر "السيارات الصامتة"، يجب إصدار تعليمات تسمح لمراكز فنية مؤهلة ومحددة بتركيب نظام صوتي اصطناعي تنبيهي للمركبات التي تفتقر إليه، وفق مواصفات منضبطة تضمن تنبيه المشاة دون إحداث ضوضاء أو فوضى في الشارع العام.
3. تحديث مناهج التدريب والامتحانات:
يجب إلزام مراكز تدريب السواقين بإدخال مساقات تشرح الخصائص الفنية للمركبة الكهربائية (قوة العزم الفوري، وتأثير وزن البطاريات الثقيل على مسافة الكبح)، مع تطوير أسئلة الامتحان النظري والعملي لقياس مدى وعي المتقدمين بكيفية التعامل الآمن معها.
4. ترخيص شركات الشحن الفوري الطارئ:
إن تعطل مركبة كهربائية فجأة وسط طريق رئيسي أو مزدحم بسبب نفاد البطارية يشكل عائقًا خطيرًا. والحل الأمثل هنا هو إصدار تشريعات لترخيص شركات خاصة تقدم خدمة الشحن الفوري والسريع في موقع التعطل؛ حيث يُعد هذا الخيار استراتيجيًا وأفضل بكثير من الاستعانة بالونش (Winch) الذي يتطلب وقتًا طويلًا لوصوله وتحميل المركبة، مما يتسبب في إغلاق مسارب الطريق وإحداث أزمات سير خانقة وشلل مروري.
خلاصة القول:
إن مواكبة التطور التكنولوجي في قطاع النقل لا تعني إغفال معايير الأمان. الواقع الجديد يضعنا أمام مسؤولية تحديث أدواتنا الرقابية والتوعوية، لضمان بيئة مرورية أردنية آمنة تحمي السائق والمشاة على حد سواء.
*خبير سلامة النقل والسلامة المرورية، والمحاضر السابق في معهد المرور الأردني.