أعتقد أن الإجابة تبدأ من طبيعة القيادة، ومن فهم الدولة الأردنية المبكر بأن الأمن الوطني لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة، بل بحسن إدارتها وتوظيفها، وبالقدرة على التمييز بين الخطر الذي يستوجب المواجهة، والأزمة التي تحتاج إلى الاحتواء، والتطور الإقليمي الذي ينبغي تجنب الانجرار إلى تداعياته.
وهنا يبرز دور جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية، في ترسيخ نهج عسكري يقوم على الجاهزية والاحتراف وتطوير القدرات، مع المحافظة على استقلال القرار الوطني. فالأردن لا يملك ترف الدخول في صراعات غير محسوبة، ولا يستطيع في المقابل أن يسمح بتحويل حدوده إلى ساحة مفتوحة أمام التنظيمات المسلحة وشبكات الجريمة العابرة للحدود.
أما القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، فتتحمل مسؤولية بالغة التعقيد في تحويل هذه الرؤية إلى قدرة عسكرية قابلة للتنفيذ. وأهمية القيادة العامة لا تظهر في إدارة العمليات الميدانية فحسب، وإنما في تقدير التهديدات، وتحديد الأولويات، وتوزيع الموارد، وتطوير العقيدة القتالية، وبناء منظومة قيادة وسيطرة قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. فالقرار العسكري الخاطئ قد تكون كلفته أكبر من كلفة المواجهة نفسها، خصوصاً عندما تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والدبلوماسية.
ولذلك، فإن أحد أهم معايير نجاح القيادة العسكرية الأردنية يتمثل في قدرتها على تحقيق الردع دون استنزاف الدولة، والمحافظة على الجاهزية دون تحويل البلاد إلى حالة استنفار دائم. وهذه معادلة صعبة تُدار بالخبرة والانضباط والقراءة الدقيقة لموازين القوى.
ولعل الحدود الشمالية والشرقية تقدم مثالاً واضحاً على هذا التحول. فتهريب المخدرات والأسلحة لم يعد مجرد نشاط إجرامي تقليدي، بل أصبح تهديداً مركباً تتداخل فيه شبكات الجريمة المنظمة مع جماعات مسلحة ومصالح مالية عابرة للحدود. ومن الخطأ التعامل معه باعتباره مشكلة ضبط حدودي فقط؛ لأن ما يجري على الحدود قد يتحول لاحقاً إلى أزمة اجتماعية أو أمنية داخل المدن والقرى. ولذلك فإن نجاح القوات المسلحة في إحباط عمليات التهريب يمثل خط الدفاع الأول عن المجتمع، وليس مجرد حماية للخط الجغرافي الفاصل بين الدول.
وفي الداخل، تكمن أهمية دائرة المخابرات العامة ومديرية الأمن العام في قدرتهما على التعامل مع تهديدات تختلف في طبيعتها عن التهديد العسكري المباشر. فالإرهاب، على سبيل المثال، لا يبدأ دائماً بالسلاح، بل قد يبدأ بخطاب تحريضي، أو شبكة تجنيد، أو تمويل سري، أو استغلال حالة اجتماعية مضطربة. ولهذا فإن كفاءة العمل الأمني تُقاس بقدرة المؤسسات على الربط بين المعلومات وتحليلها، والكشف المبكر عن المخاطر، وإحباطها ضمن أحكام القانون، دون الإضرار بالثقة بين المواطن والدولة.
أما الدور الإنساني للقوات المسلحة الأردنية، فإنه يستحق قراءة تتجاوز البعد الأخلاقي فقط. فالمستشفيات الميدانية الأردنية في غزة، وعمليات الإغاثة والإنزال الجوي، والمشاركات في قوات حفظ السلام الدولية، تكشف عن قدرة المؤسسة العسكرية على العمل خارج البيئة القتالية التقليدية. وهذه القدرة تحتاج إلى تخطيط وإمداد طبي ولوجستي وتنسيق دولي وإدارة دقيقة للمخاطر.
وأعتقد أن القيمة الحقيقية للقيادة العسكرية الأردنية تكمن في إدراكها أن القوة لا تُقاس بما تستطيع الدولة أن تفعله بخصومها فقط، بل بما تستطيع أن تمنع خصومها من فعله بها. لقد استطاع الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، وبجهود القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، أن يحافظ على تماسك مؤسساته وسط بيئة إقليمية بالغة الخطورة. وليس معنى ذلك أن الأخطار انتهت، أو أن منظومتنا بمنأى عن التحديات، وإنما أن الدولة تمتلك خبرة مؤسسية تستحق البناء عليها. فأعظم ما يقدمه الجيش العربي والأجهزة الأمنية للأردن ليس مشهد القوة حين تُستخدم، وإنما حقيقة أن هذه القوة، حين تُدار بحكمة واقتدار، تجعل استخدامها أقل ضرورة، وتحفظ للدولة سيادتها، وللمواطن أمنه، وللوطن مستقبله.
محامٍ وخبير قانوني