في الأردن، شكل التطور التشريعي الأخير، لا سيما مع إقرار قانون الإعسار، نقلة نوعية وجوهرية في كيفية التعامل مع الشركات والشخصيات الاعتبارية المتعثرة مالياً. لم تعد التشريعات الحديثة تنظر إلى التعثر المالي كنهاية حتمية أو وصمة عار تجارية، بل كحالة اقتصادية طبيعية يمكن معالجتها وتجاوزها إذا ما توفرت النوايا الصادقة والإدارة الحكيمة.
إن قانون الإعسار جاء ليحل محل العديد من الأحكام التقليدية للإفلاس، موجهاً البوصلة نحو "الإنقاذ". فالهدف الأساسي اليوم هو الحفاظ على النشاط الاقتصادي للشركة المتعثرة، واستمرار إنتاجيتها، وحماية فرص العمل فيها. يتم ذلك من خلال تقديم "خطة إعادة تنظيم" يوافق عليها الدائنون وتصادق عليها المحكمة، مما يتيح للشركة جدولة ديونها وإعادة ترتيب أوراقها المالية والإدارية تحت إشراف وكيل إعسار مختص.
ومع ذلك، ومن خلال الممارسة العملية المستمرة في أروقة المحاكم والتعامل مع الشركات، ندرك تماماً أن الإنقاذ ليس ممكناً في جميع الحالات. فعندما تصل الشركة إلى مرحلة يستحيل معها تصويب الأوضاع، وتصبح غير قادرة هيكلياً ومالياً على سداد ديونها، يصبح الانتقال إلى مرحلة "تصفية الشركات" هو الإجراء القانوني السليم والحتمي.
التصفية في هذا الإطار ليست عملية فوضوية، بل هي سلسلة من الإجراءات القانونية والمحاسبية الدقيقة والمحكمة. تهدف هذه الإجراءات إلى حصر جميع موجودات الشركة وأصولها، وتحويلها إلى سيولة نقدية، ومن ثم توزيعها على الدائنين وفقاً لمرتبة ديونهم الممتازة والعادية كما حددها القانون. هذه العملية تتطلب كفاءة عالية وخبرة متراكمة لضمان تحقيق أعلى قدر من الشفافية والعدالة، وهي امتداد لمدرسة قانونية أردنية عريقة رسخت عبر عقود مبادئ راسخة في إدارة تصفيات كبرى الشركات بمهنية واقتدار لضمان حقوق كافة الأطراف.
إن وجود إطار قانوني واضح ومرن يتعامل مع الإفلاس والإعسار لا يخدم فقط الدائن والمدين، بل هو ركيزة أساسية لتحفيز الاقتصاد الوطني. فالمستثمر المحلي والأجنبي يحتاج إلى بيئة قانونية توفر له "شبكة أمان" واضحة المعالم في حال تعثر استثماراته. معرفة أن هناك قانوناً ينظم التخارج أو إعادة الهيكلة بطريقة عادلة يشجع على ضخ رؤوس الأموال وبناء الشراكات بثقة أكبر.
ختاماً، يمكن القول إن الانتقال من المفهوم العقابي الصارم للإفلاس إلى المفهوم التنظيمي والاقتصادي للإعسار يعكس نضوجاً كبيراً في البيئة التشريعية في الأردن. إنها دعوة لكل صاحب عمل وشركة للتعامل بشفافية مع أزماتهم المالية، واللجوء المبكر للاستشارة القانونية المتخصصة قبل تفاقم الأزمات، فالقانون وُجد لحماية مسيرتكم، لا لإنهائها.