أكتب هذه الكلمات كأردني قبل أن أكتبها رئيسًا تنفيذيًا لجمعية "إنتاج"، وبقلبٍ مثقل، فمن ارتقوا في حمود هم أهلنا جميعًا، وأتقدّم بأحرّ التعازي إلى ذوي الشهداء وأبناء الكرك، وأدعو بالشفاء العاجل للمصابين.
ومن أطلقوا النار على أبرياء يصلّون على أمهم المتوفاة، فإنهم لم يستهدفوا المسيحيين وحدهم، بل استهدفوا فكرة الأردن نفسها: بلدًا يتجاور فيه الجرس والأذان منذ قرون، وتتقاسم عائلاته الأفراح والأتراح.
أراد القتلة الجبناء زرع الشك بين الأردنيين، فجاء الرد عكس ما أرادوا، حيث وقف المسلم والمسيحي معًا أمام الكنائس، وتوحّدت الكلمة من القصر إلى الحكومة إلى الشارع، وأكد جلالة الملك أن الرد سيكون حازمًا، وأن أمن الأردنيين خط أحمر.
وهذه اللحمة ليست شعارًا للمناسبات، إنما رصيدٌ بنيناه عبر أجيال: العشيرة التي تحمي جارها، والمدرسة التي تجمع الطلاب، والشركة التي يعمل فيها فريقٌ واحد لا يعرف إلا الكفاءة والانتماء.
وقد مرّ الأردن بامتحانات قاسية، منها ما شهدته الكرك نفسها عام 2016، وخرج منها في كل مرة أصلب وأكثر تماسكًا، وكذلك سيكون اليوم: الوحدة الأردنية لن تنكسر.
لكن الحزن والإدانة لا يكفيان، لذلك علينا أن نسأل بصراحة: كيف يمكن لشخص أن يصل إلى هذا الحد من الكراهية؟ فالرصاصة لا تبدأ عند الزناد، بل بكلمة، وبخطابٍ يقسّم الناس إلى "نحن" و"هم"، وبفكرٍ يصادر حق الآخر في الاختلاف.
بعض الخطابات المتشددة لا تحمل سلاحًا ولا تدعو إلى العنف، لكنها تهيّئ التربة، وحين تكون خصبة عند البعض تكفي البذرة الأخيرة، لذلك أدعو إلى مراجعة جادة لبؤر هذا الفكر: ترسيخ التفكير النقدي وقيم المواطنة والتعددية في المدارس، ورصد المحتوى المحرّض ومجموعات التجنيد المغلقة، وبناء محتوى بديل يخاطب الشباب بلغتهم، ومعالجة البطالة والإحباط اللذين يستغلهما المتطرفون دون أن يكونا مبررًا للتطرف.
وهذه ليست معركة الأجهزة الأمنية الباسلة وحدها، بل معركة الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام والقطاع الخاص معًا.
ومن موقعي في القطاع الرقمي، أعرف أن رأس مالنا الحقيقي هو الثقة، فالمستثمر الذي يختار الأردن مقرًا إقليميًا، ويسند مشاريعه إلى فرق أردنية، والشركة الناشئة التي تبني هنا منتجًا للعالم، كلهم يراهنون أولًا على استقرار الأردن وتماسك مجتمعه.
لكنني على يقين بأن الأثر سيبقى محدودًا ومؤقتًا، فالاستجابة الأمنية والسياسية الفورية تؤكد للشركاء قوة المؤسسات، والعالم رأى أردنيين من كل الأديان صفًّا واحدًا في شهادة استقرار بحد ذاتها، ووطننا تجاوز من قبل أزمات إقليمية وجائحة وتقلبات اقتصادية، وواصل نموه وتصدير خدماته وكفاءاته.
إن الاقتصاد الرقمي جزءٌ من الحل، فكل فرصة عمل لشاب في الكرك أو الطفيلة أو معان، وأي محافظة أخرى في وطننا الحبيب، وكل برنامج يربط الخريجين بسوق العمل، حصنٌ في وجه اليأس الذي يتغذّى عليه التطرف.
وتلتزم "إنتاج" بمواصلة العمل مع شركائنا لنقل الفرص الرقمية إلى المحافظات، وتقديم صورة الأردن الحقيقية للعالم: بلدٌ آمن، منفتح، وقادر.
سيبقى الأردن وطنًا يتّسع لجميع أبنائه، ويحمي ضعيفهم قبل قويّهم، وسيبقى شهداء حمود شاهدًا على أن الكراهية لا تنتصر، وأن وحدتنا أقوى من رصاصهم.
رحم الله الشهداء، وحفظ الأردن قيادةً وشعبًا.