حسابات ما قبل التجديد النصفي للكونغرس تمنع المواجهة الكبرى
تتزايد المؤشرات على توظيف التصعيد العسكري مع إيران في الحسابات السياسية الإسرائيلية عشية انتخابات الكنيست، وسط تقارير عن استعدادات لشن هجوم واسع النطاق أوقفته واشنطن، وطلعات جوية إسرائيلية بعيدة المدى حاكت سيناريو الهجوم واقتربت من الحدود الإيرانية قبل أن تعود إلى قواعدها.
وبينما يتمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بخطاب التهديدات الأمنية، تحذر أوساط في المؤسسة الأمنية من مغبة الانجرار إلى مواجهة جديدة في توقيت انتخابي حساس، في حين يصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تجنب حرب قد تتداخل تداعياتها مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني المقبل.
وتكشف التقارير الإسرائيلية والأميركية عن تباين في التقديرات بشأن جدوى شن هجوم على إيران قبل الانتخابات، بين حسابات نتنياهو السياسية والتحفظات العسكرية، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى استئناف المواجهة، أو أن يتحول التهديد بالحرب إلى أداة لحشد الناخبين وإعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي.
وفي أحدث المؤشرات على هذه الأجواء، كشفت مصادر أميركية للقناة 12 الإسرائيلية أن عشرات المقاتلات الإسرائيلية وطائرات التزود بالوقود نفذت، ليل الاثنين والثلاثاء الماضيين، طلعة جوية بعيدة المدى فوق سوريا والعراق، اقتربت خلالها من الحدود الإيرانية قبل أن تستدير عائدة إلى قواعدها.
وبحسب المصادر، حاكت الطلعة سيناريو تنفيذ هجوم فعلي، من خلال عبور الأجواء السورية والعراقية والاقتراب من الأراضي الإيرانية، في خطوة كانت تل أبيب تدرك أن منظومات الدفاع الجوي الإيرانية سترصدها، بما يرفع احتمالات سوء التقدير واندلاع مواجهة غير مخطط لها.
وتزامنت الطلعة مع زيارة وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى إسرائيل، حيث التقى نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس في قاعدة عوفدا الجوية. ورغم تأكيد مسؤولين إسرائيليين وأميركيين أن التحرك لم يكن استثنائياً، فإن حجم المشاركة وطبيعة المسار الجوي أثارا تساؤلات بشأن الرسائل العسكرية التي أرادت إسرائيل توجيهها إلى طهران، ومدى ارتباطها بالاستعدادات لاحتمال استئناف الحرب.
وفي هذا السياق، تحدثت تقديرات أميركية عن أن الطلعة حملت طابعاً ردعياً، فيما أثارت مخاوف من أن يؤدي اقتراب الطائرات الإسرائيلية إلى رد إيراني يمنح تل أبيب ذريعة لتوسيع المواجهة.
غير أن هذه القراءة تبقى في إطار التقديرات المنقولة عن المصادر، في ظل عدم وجود تأكيد مستقل بأن إسرائيل كانت تسعى فعلياً إلى استدراج رد عسكري إيراني.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب تقارير عن اقتراب إسرائيل من تنفيذ هجوم واسع على إيران في العاشر من تشرين الأول الحالي، قبل أن تحول الإدارة الأميركية دون المضي فيه، وفق ما أورده تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، نقلاً عن مراسلها في إسرائيل نيري زيلبر، وتناوله الصحفي العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل.
وبحسب هذه التقارير، أمر نتنياهو بالاستعداد للعملية، فيما أبدت القيادة العسكرية الإسرائيلية تحفظات بشأن توقيتها والضرورة الاستخبارية التي تستدعي تنفيذها، فضلاً عن تداعياتها المحتملة على الانتخابات. وتشير الروايات المنشورة إلى أن ترامب لم يكن راغباً في الانجرار إلى مواجهة واسعة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني المقبل، ما أسهم في وقف العملية قبل تنفيذها.
ويتمحور الخلاف، وفق تحليل هرئيل، حول توقيت الهجوم ومدى إلحاحه في ضوء المعلومات الاستخبارية، فضلاً عن حقيقة الموقف الأميركي.
ويشير التحليل إلى وجود فجوة بين الانطباع الذي سعى نتنياهو إلى تكريسه بشأن استعداد واشنطن للمشاركة في هجوم جديد، وبين ما نقلته المصادر عن اقتصار التوجيهات الأميركية على الاستعداد العملياتي من دون الاتفاق على موعد محدد للتنفيذ.
وفي موازاة هذه التحركات، أفادت تقارير بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أبدت تحفظات أمام المستوى السياسي على شن هجوم في المرحلة الراهنة، خشية أن يُفسر باعتباره تدخلاً في الانتخابات أو توظيفاً للقدرات العسكرية في خدمة اعتبارات حزبية.
كما تحدثت تقارير عن رفع مستويات الاستعداد العسكري الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، وعن إجراءات احترازية تتعلق بطواقم دبلوماسية أميركية في العراق ودول أخرى، من بينها مغادرة موظفين وعائلاتهم مع الإبقاء على فرق للطوارئ، وفق ما ورد في تلك التقارير.
وتزامن ذلك مع تصاعد السجال الداخلي بشأن احتمال اندلاع مواجهة جديدة، بعدما حمّل وزير الأمن يسرائيل كاتس قادة المعارضة مسؤولية أي هجمات قد تتعرض لها إسرائيل خلال فترة الانتخابات، قائلاً إن المسؤولية ستُسجل باسم يائير لبيد ونفتالي بينيت ويائير غولان ورفاقهم في المعارضة.
وجاءت تصريحات كاتس رداً على موقف زعيم المعارضة يائير لبيد، الذي قال إنه، استناداً إلى المعلومات المتوافرة لديه، لا يوجد ما يبرر مهاجمة إيران أو أي جهة أخرى قبل الانتخابات.
ووصف لبيد بيان كاتس بأنه «منفلت وهستيري»، معتبراً أنه يشكل هدية لأعداء إسرائيل، فيما اتهم رئيس حزب «يشار» غادي آيزنكوت وزير الأمن بتمهيد الطريق لإلقاء المسؤولية على خصومه السياسيين قبل وقوع أي هجوم.
وفي افتتاحيتها، حذرت «هآرتس» من أن المعلومات العلنية والادعاءات المتداولة داخل المؤسسة الأمنية لا تشير إلى تطور في البرنامج النووي الإيراني أو منظومة الصواريخ يستدعي هجوماً إسرائيلياً فورياً. واعتبرت أن المبادرة إلى شن هجوم في هذا التوقيت، من دون ضرورة أمنية واضحة، قد تثير شكوكاً بشأن الفصل بين المصالح الحزبية ومتطلبات اتخاذ القرار العسكري.
ولا تنفصل هذه التحذيرات عن الحسابات الانتخابية لنتنياهو، إذ يرى هرئيل أن استئناف الحرب مع إيران قد يخدم رئيس الوزراء حتى في حال لم يتمكن معسكره من تحقيق أغلبية واضحة. فالتصعيد الأمني قد يعقّد فرص تشكيل حكومة بديلة بقيادة آيزنكوت أو غيره من قادة المعارضة، ويزيد الضغوط باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو خيار قد يكون أكثر ملاءمة لنتنياهو من الانتقال إلى صفوف المعارضة.
وفي قراءة موازية للمشهد الانتخابي، يرى الصحفي يوسي كلاين في «هآرتس» أن المنافسة لم تعد تدور بالضرورة بين اليمين واليسار بقدر ما تتمحور حول الموقف من نتنياهو نفسه، بين معسكر «نعم بيبي» ومعسكر «لا بيبي». ويشير إلى أن الخوف والكراهية أصبحا من أبرز محركات الحملة، بما يعزز قدرة الخطاب الأمني على التأثير في الناخبين، لكنه قد يزيد أيضاً من حدة الاستقطاب السياسي.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو احتمالات شن هجوم إسرائيلي على إيران قبل الانتخابات منخفضة، وفق تقديرات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، من دون أن يعني ذلك استبعادها نهائياً.
وكان نتنياهو قد قال في مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية «كان» إنه لا يعتقد أن إسقاط النظام الإيراني سيحدث قبل الانتخابات.
وتبقى أمام إسرائيل عدة مسارات، أولها تأجيل أي عملية عسكرية واسعة إلى ما بعد الانتخابات، وثانيها مواصلة الضغط والتهديدات بما يخدم الحسابات السياسية والأمنية، وثالثها احتمال وقوع تصعيد مفاجئ نتيجة سوء تقدير أو حادث عسكري. كما يطرح بعض المحللين احتمال لجوء نتنياهو إلى تحرك محدود إذا شعر بأن فرصه الانتخابية تتراجع، غير أن هذا السيناريو يبقى في إطار التحليل والتكهن، ولا تتوافر معطيات مؤكدة تثبت اتخاذ قرار بهذا الاتجاه.
وبين طلعات جوية تحاكي الهجوم، واستعدادات عسكرية لم تصل إلى مرحلة التنفيذ، وتحذيرات من استئناف الحرب، تتداخل الحسابات الأمنية مع الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي بصورة متزايدة.
وبينما تسعى واشنطن إلى تجنب مواجهة واسعة قبل انتخابات الكونغرس، تواجه تل أبيب معادلة دقيقة بين إبقاء الضغط على طهران وتفادي حرب قد تتجاوز أهدافها المعلنة وتفتح الباب أمام تداعيات إقليمية وسياسية يصعب احتواؤها.
وهكذا، لا تبدو المواجهة المحتملة مع إيران مجرد قرار عسكري مؤجل، بل ملفاً تتقاطع فيه اعتبارات الردع ومخاطر التصعيد ومصالح الأطراف السياسية، فيما تظل الطلعات الجوية والتحركات العسكرية رسائل قابلة لتفسيرات متعددة، لا دليلاً حاسماً بحد ذاتها على أن قرار الحرب قد اتُّخذ.