أكد وزير الثقافة ووزير السياحة والآثار مصطفى الرواشدة أن القرى الأردنية تمثل حاضنة حقيقية للذاكرة الوطنية، بما تحمله من إرث تاريخي وثقافي، وما تزال تحافظ عليه من عادات وتقاليد وملامح أصيلة تعكس تاريخ المكان والإنسان عبر العصور.
جاء ذلك خلال رعايته افتتاح متحف المدرسة القديمة في بلدة حمود شمالي محافظة الكرك، التابع لجمعية أبناء حمود لإحياء التراث الثقافي والتاريخي، وإطلاق فعاليات الأيام الثقافية التي نظمتها الجمعية بالتعاون مع مديرية ثقافة الكرك، ضمن فعاليات لواء القصر مدينة الثقافة الأردنية لعام 2026، بحضور عدد من المسؤولين والفعاليات الشعبية والمثقفين والمهتمين بالتراث.
وقال الرواشدة إن القرى الأردنية كانت على الدوام نموذجاً للعطاء والانفتاح على التعليم والتطور، وأسهمت في إعداد أجيال شاركت في مسيرة التنمية وبناء الوطن وتحقيق إنجازاته، مشدداً على أهمية صون إرثها الثقافي وتوثيق حكاياتها للأجيال القادمة.
وأضاف أن افتتاح متحف المدرسة القديمة يشكل إنجازاً ثقافياً وتوثيقياً يرفد مشروع السردية الأردنية «حكاية الأرض والإنسان»، لافتاً إلى أن المدرسة لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت منارة للعلم والتنوير، وشاهداً على التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها القرية على مدى عقود.
وأشار إلى أن بلدة حمود تتميز بنسيجها العمراني ومساكنها التراثية وسوقها التجاري القديم ومطحنتها ومدرستها، فضلاً عن خصوصية علاقتها بالمكان، مؤكداً أن محافظة الكرك تزخر بتنوع ثقافي وإنساني أسهم في تشكيل الهوية الوطنية، وقدم نماذج بارزة في التعليم والثقافة والدفاع عن الوطن وبنائه.
وبيّن أن المتحف، بما يضمه من مخطوطات وصور وأدوات تراثية، سيشكل مساحة ثقافية للتعريف بتاريخ البلدة والأردن، وإبراز العادات والقيم وأنماط الحياة التي عاشها الأجداد، وعلاقتهم بالأرض والمكان.
وأعلن الرواشدة عن البدء خلال العام المقبل باستكمال المرحلة الثانية من تطوير متحف المدرسة، بهدف تحويله إلى متحف متكامل للحياة الشعبية، إلى جانب إطلاق مهرجان حمود الثقافي، بما يعزز حضور البلدة على خارطة السياحة الثقافية والتراثية.
من جانبه، قال رئيس جمعية أبناء حمود فارس الهلسة إن القرية تمتلك حكاية تاريخية وثقافية تستحق التوثيق بأصوات أبنائها، وذاكرة تستوجب الحماية والحفاظ عليها، مشيراً إلى أن الجمعية، التي تأسست قبل 20 عاماً، عملت على إطلاق مشروع ثقافي يهدف إلى توثيق تاريخ القرية وصون تراثها وترميم مبانيها القديمة.
وأوضح أن الاحتفال بمئوية المدرسة وترميمها شكّلا الخطوة الأولى في هذا المسار، تلاهما إنجاز المرحلة الأولى من متحف المدرسة بدعم من وزارة الثقافة، وإعادة تأهيل الساحة الأمامية للمتحف بدعم من وزارة السياحة والآثار، وصولاً إلى تنظيم الأيام الثقافية التي تأمل الجمعية أن تتطور إلى مهرجان سنوي يجمع الثقافة بالتراث.
وتضمنت الفعاليات ندوة ثقافية بعنوان «ذاكرة المكان.. قريتنا حمود نموذجاً»، أدارها الدكتور حيدر الهلسة، وتحدث خلالها الأديب والمهندس ضيغم القسوس الهلسة، مستعرضاً في نصوص أدبية جوانب من تراث القرية ومكانتها في الذاكرة الجمعية.
وأكد القسوس الهلسة أن حمود تمثل شاهداً حياً على عراقة المكان الممتدة عبر آلاف السنين، وتجسد تجربة مجتمع أردني أصيل حافظ على هويته الثقافية والتراثية عبر الأجيال، مشيراً إلى أن المكان يشكل جزءاً أساسياً من هوية الإنسان وذاكرته وانتمائه.
بدوره، تناول المثقف والسياسي ضرغام الهلسة أهمية المكان في الوجود الإنساني، وعمق العلاقة بين الأرض والإنسان، مؤكداً أن الذاكرة المكانية تشكل ركيزة أساسية لفهم الماضي وبناء المستقبل.
واستعرض الهلسة تاريخ نشأة القرية وما تتميز به من مقومات تاريخية وحضارية، لافتاً إلى أن عدداً من معالمها التراثية ما يزال قائماً، ومنها المدرسة والسوق التجاري القديم والكنائس ومطحنة الحبوب والمباني التراثية، التي تعكس تنوع الحياة الاجتماعية والثقافية فيها.
وأشار إلى أن حمود لم تكن مجرد تجمع سكاني، بل شكلت مركزاً للتعليم والمعرفة، وأسهمت في تخريج شخصيات أردنية من رجال الدولة والأدباء والأطباء والمهندسين الذين شاركوا في بناء الأردن الحديث.
واختُتمت الفعاليات بفقرات فنية فلكلورية استحضرت جماليات الموروث الشعبي، إلى جانب معزوفات موسيقية قدمتها فرقة كشافة ومرشدات الروم الأرثوذكس في الكرك، في أجواء عكست الاعتزاز بالهوية الوطنية والتراث الثقافي الأردني.
ويأتي افتتاح المتحف ضمن الجهود الرامية إلى حماية المواقع التراثية وإعادة توظيفها ثقافياً، وتعزيز دور المؤسسات والجمعيات المحلية في توثيق الذاكرة الوطنية وربط الأجيال الجديدة بتاريخ قراهم وموروثها الحضاري.