لماذا تعجز الصين عن كسر احتكار الرقائق؟

تاريخ النشر : الخميس 12:01 22-10-2026
No Image

تُعد آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) من أكثر التقنيات تعقيدا في صناعة أشباه الموصلات، إذ تمثل ركيزة أساسية لإنتاج المعالجات والرقاقات المتقدمة. وتنفرد شركة «إيه إس إم إل» (ASML) الهولندية بتصنيع هذه الآلات تجاريا، ما يمنحها موقعا استراتيجيا في سباق التكنولوجيا العالمي.

ولا تكمن أهمية هذه التقنية في قدرتها على طباعة الدوائر الإلكترونية بأبعاد بالغة الصغر فحسب، بل في المنظومة الهندسية والصناعية المعقدة التي تقف وراءها، والتي تجمع بين الليزر والبصريات والفيزياء والبرمجيات وأنظمة التحكم فائقة الدقة.

كيف يطبع الضوء الدوائر الإلكترونية؟

تعتمد صناعة الرقائق على تقنية الطباعة الحجرية لنقل أنماط الدوائر الإلكترونية إلى سطح رقاقة السيليكون، باستخدام الضوء ومواد كيميائية حساسة له. وتتيح هذه العملية إنتاج مليارات الترانزستورات على مساحة صغيرة، بما يسهم في رفع أداء المعالجات وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.

وعلى مدى عقود، اعتمدت الصناعة على الأشعة فوق البنفسجية العميقة (DUV)، التي يبلغ طولها الموجي 193 نانومترا. ومع تزايد الحاجة إلى تصغير الترانزستورات، أصبحت هذه التقنية تتطلب خطوات تصنيع إضافية، الأمر الذي يرفع التكلفة ويزيد تعقيد الإنتاج.

وهنا برزت تقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، التي يبلغ طولها الموجي 13.5 نانومترا، أي أقصر بنحو 14 مرة من طول موجة الأشعة فوق البنفسجية العميقة. وبعد سنوات طويلة من البحث والتطوير، بدأت الرقاقات المصنّعة باستخدام هذه التقنية تدخل مرحلة الإنتاج التجاري الكمي عام 2019.

وتسمح هذه التقنية بطباعة الأنماط الدقيقة المطلوبة في أكثر طبقات المعالجات والذاكرات تقدما، ما يجعلها إحدى الركائز الأساسية لتطوير الأجيال الحديثة من أشباه الموصلات.

آلة تتحدى حدود الفيزياء

تبدأ صعوبة تصنيع آلات EUV من إنتاج الضوء نفسه. إذ تعتمد المنظومة التي تطورها «إيه إس إم إل» على توجيه نبضات ليزر عالية الطاقة نحو قطرات دقيقة من القصدير المنصهر، لتوليد بلازما تصدر الضوء المطلوب.

وتقذف الآلة نحو 50 ألف قطرة من القصدير في الثانية، إذ تعمل نبضات الليزر على تهيئة القطرات ثم تحويلها إلى بلازما قادرة على إصدار الأشعة فوق البنفسجية القصوى.

لكن توليد الضوء لا يمثل سوى البداية؛ فالضوء الناتج يُمتص بسرعة عند مروره في الهواء أو الزجاج العادي، ما يستلزم تشغيل المنظومة داخل حجرة مفرغة وتوجيهه باستخدام مرايا متخصصة فائقة الدقة، بدلا من العدسات التقليدية.

وتتطلب العملية أيضا أنظمة متقدمة للتحكم في الحرارة والاهتزاز، وضبط حركة رقائق السيليكون، والحفاظ على نظافة المرايا ودقة محاذاتها. فأي خلل، مهما كان صغيرا، قد يؤثر في جودة الأنماط المطبوعة ومعدل الإنتاج.

سر الاحتكار.. شبكة خبرات لا آلة واحدة

رغم أن «إيه إس إم إل» هي الشركة الوحيدة التي تبيع آلات EUV تجاريا، فإنها لا تصنع جميع مكوناتها بمفردها، بل تعتمد على شبكة من الموردين المتخصصين الذين يمتلك كل منهم خبرة يصعب تعويضها.

وتتولى شركة «كارل زايس» الألمانية تطوير الأنظمة البصرية والمرايا فائقة الدقة، بينما تسهم «سايمر» في تقنيات توليد الضوء، وتوفر «ترامبف» أنظمة الليزر عالية الطاقة المستخدمة في العملية.

وتعتمد هذه المنظومة على عقود من التطوير في علم المواد والطلاءات النانوية والقياسات الدقيقة والتصنيع في البيئات النظيفة. كما أن تصنيع المكونات لا يكفي وحده، بل يتعين دمجها وضبطها بحيث تعمل جميعها بتناغم شديد الدقة.

لهذا، لا يمكن اختزال سر التفوق في تصميم الآلة أو معرفة مكوناتها، إذ تكمن ميزة «إيه إس إم إل» في قدرتها على تحويل آلاف العناصر والتقنيات إلى نظام صناعي متكامل يعمل باستقرار وإنتاجية مرتفعة.

لماذا لا تكفي الهندسة العكسية؟

قد يساعد تفكيك آلة متقدمة على فهم بنيتها الداخلية ومكوناتها وطرق عملها، لكنه لا يوفر بالضرورة المعرفة اللازمة لإعادة تصنيعها بالمستوى نفسه من الدقة والكفاءة.

فالفارق كبير بين معرفة كيفية عمل المرآة وتصنيع مرآة بالمواصفات المطلوبة، وبين إنتاج مصدر ضوء قوي ومستقر ودمجه مع أنظمة بصرية وحركية وبرمجية تعمل في الوقت نفسه.

وتتطلب هذه العملية خبرات تراكمية في المعايرة والتصنيع ومراقبة الجودة، إلى جانب القدرة على معالجة الأعطال وتحسين الأداء باستمرار. كما أن الوصول إلى نموذج يعمل في المختبر لا يعني القدرة على إنتاج رقاقات بكميات تجارية وبمعدلات عيوب منخفضة.

وقد استغرقت «إيه إس إم إل» وشركاؤها أكثر من عقدين لتطوير تقنية EUV، مع استثمارات تجاوزت 6 مليارات يورو على مدى 17 عاما، وفقا للتقديرات الواردة في التقرير.

ولا ينتهي التحدي عند تسليم الآلة للمصنع، إذ تعتمد استمرارية تشغيلها على الصيانة الدورية وقطع الغيار والتحديثات البرمجية وخدمات الدعم الفني المتخصصة.

سباق لا يتوقف عند الجيل الحالي

لا تقتصر المنافسة على آلات EUV الحالية، فقد انتقلت «إيه إس إم إل» إلى تطوير جيل أكثر تقدما يُعرف باسم الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى ذات الفتحة العددية العالية (High-NA EUV).

وترتفع الفتحة العددية في هذا الجيل من 0.33 إلى 0.55، ما يحسن القدرة على تصوير تفاصيل أدق، ويدعم تصنيع أجيال أكثر تقدما من الرقاقات.

لكن هذا التطور يفرض تحديات إضافية، تشمل تطوير أنظمة بصرية أكبر وأكثر تعقيدا، وتحسين المرايا وتقنيات القياس والمحاذاة، فضلا عن زيادة متطلبات التحكم الحراري والدقة الميكانيكية.

وهكذا، لا يقتصر التحدي أمام المنافسين على اللحاق بالتكنولوجيا الحالية، بل يتعين عليهم أيضا مواكبة جيل جديد يتطور باستمرار.

الصين.. من النموذج الأولي إلى الإنتاج التجاري

تسعى الصين إلى تقليص اعتمادها على المعدات الأجنبية عبر تطوير آلات محلية للطباعة الحجرية. وتعمل شركة «شنغهاي آيشينغنا لتكنولوجيا الإلكترونيات» على إنتاج آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة الغامرة (DUV)، مع خطط لزيادة الإنتاج خلال عامي 2026 و2027.

وفي المقابل، كشف تقرير استقصائي نشرته «رويترز» في ديسمبر/كانون الأول 2025 عن جهود صينية لبناء نموذج أولي لآلة EUV. ووفق التقرير، نجح النموذج في توليد الضوء المطلوب، لكنه لم يكن قد أنتج رقاقات عاملة في ذلك الوقت.

وتستهدف الصين، بحسب التقرير، الوصول إلى إنتاج رقاقات عاملة باستخدام هذه التقنية بحلول عام 2028، بينما ترى مصادر قريبة من المشروع أن عام 2030 قد يكون موعدا أكثر واقعية.

ويكشف هذا المسار عن الفارق بين تحقيق تقدم في مكوّن تقني معين وبناء منظومة صناعية مكتملة. فتوليد الضوء لا يعني امتلاك نظام قادر على طباعة الأنماط بدقة، كما أن طباعة أنماط دقيقة لا تضمن تحقيق إنتاجية مرتفعة ومردود تصنيع تجاري.

وفي محاولة لتجاوز غياب آلات EUV، تعتمد الصين أيضا على تحسين استخدام آلات DUV من خلال تقنيات تعدد الأنماط، التي تقسم عملية الطباعة إلى خطوات إضافية. لكن هذه الطريقة تزيد التعقيد والتكلفة ووقت التصنيع، وقد ترفع احتمالات ظهور العيوب.

قيود التصدير والصيانة.. جبهة أخرى للمنافسة

تواجه الصين تحديات إضافية بسبب القيود المفروضة على تصدير معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة. فمنذ عام 2019، لم تحصل صادرات آلات EUV إلى الصين على التراخيص اللازمة، كما امتدت القيود لتشمل بعض معدات DUV المتقدمة.

ولا تتوقف آثار هذه القيود عند منع شراء الآلات الجديدة، بل تشمل أيضا الوصول إلى قطع الغيار والتحديثات البرمجية والخدمات الفنية. ففي عام 2024، أوضحت الحكومة الهولندية أن توفير بعض قطع الغيار وتحديثات البرمجيات لمعدات تصنيع الرقائق المبيعة سابقا لعملاء صينيين يتطلب ترخيصا.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن آلات الطباعة الحجرية تحتاج إلى صيانة متخصصة ومراقبة مستمرة للحفاظ على كفاءتها. وبالتالي، فإن تقييد الدعم الفني قد يؤثر في جاهزية المعدات وإنتاجيتها حتى بعد تركيبها وتشغيلها.

كما شهد عام 2026 تحركات أمريكية لتشديد الرقابة على صادرات معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين، في إطار المنافسة على امتلاك القدرات الصناعية اللازمة لإنتاج أحدث الرقاقات.

الخلاصة

لا يرجع احتكار «إيه إس إم إل» لآلات EUV إلى سر تقني واحد، بل إلى تراكم طويل من الخبرات والاستثمارات والتعاون بين شركات متخصصة، نجحت في تحويل تحديات فيزيائية وهندسية بالغة التعقيد إلى عملية تصنيع تجارية مستقرة.

ويمكن للصين إحراز تقدم في تطوير مصادر الضوء والمكونات البصرية وأنظمة التحكم، لكن التحدي الأكبر يظل جمع هذه العناصر في آلة متكاملة تنتج رقاقات متقدمة بكفاءة وتكلفة منافستين.

لذلك، فإن معركة الطباعة الحجرية لا تدور حول من يستطيع بناء نموذج أولي فحسب، بل حول من يمتلك القدرة على تحويل الابتكار إلى إنتاج صناعي موثوق، ثم مواصلة تطويره مع كل جيل جديد من المعالجات. وفي هذا السباق، تمثل المعدات والخبرات وسلاسل التوريد أدوات نفوذ استراتيجية لا تقل أهمية عن الرقائق نفسها.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }