تمنح تجربة «قائد اليوم» الطلبة دوراً فاعلاً في إدارة النقاشات الصفية وتنظيم التعلم والمشاركة في تنظيف المدرسة والمحافظة على مرافقها، بما يعزز الثقة بالنفس والمسؤولية والعمل الجماعي، وينقل أثر التعلم إلى الأسرة والحياة اليومية.
وتندرج التجربة ضمن مشروع «تعزيز بيئة تعليمية إيجابية لجميع طلبة المدارس» (PLEAC)، أحد مشاريع المساعدة الإنمائية الرسمية اليابانية (ODA)، الذي تنفذه وزارة التربية والتعليم والوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا» بصورة مشتركة، بدعم من حكومة اليابان.
ويركز المشروع على دمج منهجية «توكاتسو» (TOKKATSU)، النموذج الياباني للتعليم الشامل، في المدارس الأردنية. وبحسب النبذة التعريفية، جاء تطبيق هذه المنهجية بناءً على طلب من جلالة الملك عبد الله الثاني، بهدف تطوير بيئة تعليمية آمنة وشاملة ومحفزة تدعم النمو الشامل للأطفال.
وتسعى سفارة اليابان، من خلال تيسير التواصل المباشر بين وسائل الإعلام والمؤسسات المستفيدة، إلى إبراز أثر التعاون الإنمائي الياباني في دعم إصلاح التعليم، وتعزيز فهم الجمهور لقيمة المساعدة الإنمائية الرسمية، وحشد دعم الأطراف المعنية لضمان استدامة الممارسات التعليمية الناجحة وتوسيع نطاقها.
ويُعيّن أحد الطلبة يومياً قائداً للصف، يطرح موضوعاً للنقاش ويدير الحوار بمساندة المعلم. وقد تتناول النقاشات قضايا اجتماعية أو أموراً يومية تتعلق بالمدرسة ومشاعر الطلبة تجاهها، فيما يوجه المعلم الحوار ويضمن احترام الآراء المختلفة.
كما يتناوب الطلبة على المسؤوليات الصفية، ويشاركون في تنظيف المدرسة والمحافظة على مرافقها ومساحاتها المشتركة، بما يعزز الانتماء والتعاون واحترام البيئة المحيطة.
وقال مدير مدرسة نديم الملاح الأساسية للبنين، الدكتور رأفت السكارنة، إن المشروع أحدث أثراً إيجابياً لدى الطلبة والمعلمين، وعزز التعاون مع أولياء الأمور، موضحاً أن الطالب أصبح أكثر قدرة على إبداء رأيه والاستماع إلى الآخرين والمناقشة وتحمل المسؤولية، والمشاركة في قيادة العمل داخل الغرفة الصفية.
وبيّن أن تنظيم دفتر الطالب أتاح لولي الأمر معرفة ما تناوله ابنه في الحصة السابقة، وهدف الدرس الحالي، والواجبات المطلوبة منه، بما يسهل المتابعة ويعزز التعاون بين الأسرة والمدرسة.
وأضاف أن المشروع وفر إطاراً منظماً لعمل المعلم؛ فكثير من الأفكار والممارسات كانت موجودة سابقاً، لكن أعيد ترتيبها بطريقة أسهل وأكثر فاعلية داخل الصف. وأشار إلى أن المدرسة تطبق المشروع منذ أربع سنوات، وشمل التطبيق جميع طلبتها ومعلميها.
وقال مشرف اللغة العربية سعيد العجوري إن أثر المشروع ظهر في جانبين رئيسيين، هما استراتيجيات التدريس والإدارة الصفية، موضحاً أن التدريب عزز خبرة المعلمين وقدرتهم على التعامل مع الطلبة باحترام، وتنمية مهارات التفكير وتحقيق نتاجات التعلم.
وأضاف أن متابعة الطلبة وتقديم الدعم والإسناد لهم تساعد على اكتساب المعرفة والمهارات المخطط لها، بحيث يتمكن الطالب في نهاية الحصة من تحقيق نتاج التعلم المستهدف.
وفي جانب الإدارة الصفية، أشار إلى أن المهام القيادية تسهم في بناء شخصية الطالب، من خلال الترحيب بالحضور والتعريف بالحصة وأهدافها وبيان أعداد الحاضرين والغائبين، ومناقشة نتاجات التعلم مع الزملاء.
وأكد أن أنشطة مشروع الصف والنظافة عززت حب الطلبة لبيئتهم الصفية، وشجعتهم على المحافظة على ممتلكات المدرسة ومشاركة ما تعلموه مع الآخرين.
بدوره، قال المشرف عمر المومني، من مديرية الزرقاء الثانية، إن التدريب أحدث تطوراً ملحوظاً في أداء المعلمين، ولا سيما في التخطيط للحصص وتنظيم الوقت واستخدام التقويم التكويني بصورة أكثر فاعلية.
وأضاف أن المعلم أصبح أكثر قدرة على التأمل في أدائه بعد كل حصة، وتحديد نقاط القوة وتعزيزها، ورصد فرص التحسين والعمل عليها.
وقالت، المشرفة على الصفوف الثلاثة الأولى في مديرية الزرقاء الثالثة، الدكتورة هناء نجم إن المشروع وفر بيئة تعليمية إيجابية، أصبح الخطأ فيها فرصة للتعلم ووسيلة تساعد الطالب على تطوير فهمه.
وأوضحت أن السبورة أصبحت تعرض قصة الحصة، من أهدافها وبدايتها إلى الخلاصة وما تعلمه الطلبة، فيما باتت الدفاتر تعكس توقعاتهم وأفكارهم المختلفة، بدلاً من اقتصارها على إجابات متطابقة.
وأضافت أن وضوح الدفاتر ساعد أولياء الأمور على متابعة أهداف الحصص والأسئلة المطروحة وإجابات أبنائهم وما تعلموه خلال اليوم، مشيرة إلى أن تناوب الطلبة على دور قائد الصف عزز قدرتهم على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، وزاد جرأتهم وثقتهم بأنفسهم.
من جانبه، قال معلم العلوم محمود ياغل إن التدريب قدم ممارسات تتعلق بتنظيم السبورة وتدوين الملاحظات والتواصل مع الأهل من خلال دفتر الطالب، وساعد على توزيع المهام وإشراك الطلبة في تنفيذ بعض مسؤوليات الحصة.
وأوضح أن قائد الصف يمكنه التعريف بهدف الحصة والمشاركة في توضيح بعض الأنشطة، إلى جانب مهام تتولاها اللجان الصفية، ومنها ما يتعلق بالدفاتر، وهو ما خفف بعض الأعباء عن المعلم ووسع مشاركة الطلبة.
وبيّن أن تنظيم السبورة جعل خطوات الدرس واضحة، بحيث يستطيع من يدخل الصف بعد خمس أو عشر دقائق معرفة ما تم تناوله والمرحلة التي وصل إليها المعلم، مشيراً إلى أن ترتيب المحتوى من الأعلى إلى الأسفل، ومن اليمين إلى اليسار، يساعد على متابعة تسلسل الحصة.
وأضاف أن إسناد دور قائد الصف إلى الطالب يمنحه مسؤولية التعامل مع مجموعة قد تضم 20 أو 30 طالباً، ويعزز ثقته بنفسه وقدرته على المشاركة.
وأشار إلى أن بعض الطلبة واجهوا صعوبة في البداية، وكانوا يعتقدون أنهم غير قادرين على فهم الدرس أو استخلاص النتائج بأنفسهم، لكنهم اكتسبوا مع الوقت ثقة أكبر بقدرتهم على تنفيذ الأنشطة والمحاولة والوصول إلى النتائج.
وقال إنه لاحظ في نهاية العام الدراسي تغيراً كبيراً في مشاركتهم؛ فالطالب الذي كان يكتفي بالقول إنه لا يعرف الإجابة أصبح يبحث وينفذ النشاط ويحاول التوصل إلى النتيجة، ولا سيما في مادة العلوم.
وأكد أن التركيز كان على قيمة المحاولة، دون اشتراط صحة الإجابة منذ البداية، ثم مناقشة النتائج بصورة جماعية للوصول إلى الإجابة الصحيحة أو الأدق، على أن يكتب كل طالب خلاصة ما تعلمه بأسلوبه.
وأضاف أن وضوح الدفاتر وخطوات التعلم ساعد الأسر على متابعة أبنائها، وأتاح للطالب شرح ما كتبه وفهمه بكلماته، مع تعزيز دوره في إنتاج المعرفة واستخلاصها.
وفي شهادات الطلبة، برز أثر الممارسات الجديدة في التعلم والسلوك اليومي؛ إذ قال أحدهم إن تنظيم السبورة وترتيبها يساعدانه على فهم الدرس بصورة أفضل، فيما أشار آخر إلى أنه أصبح أكثر تعاوناً مع أسرته ومساعدة لوالديه. وأضاف طالب أنه تعلم ترتيب منزله والمحافظة على نظافته والتعاون مع أبيه وأمه.
وبحسب المادة التعريفية، أسهمت الممارسات في تحسين فهم الدروس والتركيز وترتيب الأفكار وتدوين الملاحظات، وتعزيز قدرات الطلبة على العمل الفردي والثنائي والجماعي واحترام وجهات النظر المختلفة.
كما عززت أنشطة النظافة شعورهم بالانتماء والتعاون، وأتاحت للمعلمين اكتشاف جوانب من شخصيات الطلبة لا تظهر عادة خلال الحصص.
وتشير النبذة التعريفية إلى بدء تنفيذ المشروع في تشرين الأول 2021، فيما تحدد المادة التعريفية للمرحلة الأولى فترتها من كانون الأول 2021 إلى كانون الأول 2025. وشملت هذه المرحلة تدريب المعلمين والمديرين والمشرفين على تنظيم الكتابة على السبورة، وتحسين طرح الأسئلة، وتفعيل التعلم التعاوني، وتوزيع المسؤوليات الصفية، وتعزيز التواصل مع أولياء الأمور.
وتذكر النبذة أن أنشطة المشروع التجريبية شملت 37 مدرسة، وعملت على تعزيز قدرات المعلمين ومديري المدارس، وتطوير الإجراءات التشغيلية القياسية (SOPs) للمدارس ومديريات التربية والتعليم، ووضع إطار عمل لتعميم التجربة وطنياً.
وبحسب بيانات مجموعتي التنفيذ، شملت المجموعة الأولى سبع مدارس، وسبعة من مشرفي المديريات، و12 مديراً، و91 معلماً، ونحو 4550 طالباً، فيما شملت المجموعة الثانية 30 مدرسة، و29 مشرفاً، و39 مديراً، و233 معلماً، ونحو 11650 طالباً.
وتوضح المادة أن أعداد المديرين تراكمية، وقد تتجاوز أعداد المدارس بسبب التنقلات الوظيفية ومشاركة أكثر من مدير للمدرسة خلال فترة المشروع، فيما أعداد الطلبة تقديرية، واحتُسبت بافتراض 50 طالباً لكل صف.
وقالت منسقة مشاريع «جايكا» في وحدة المشاريع والمتابعة بالوزارة، مريانا النمري، إن الوزارة تحضر للمرحلة الثانية، تمهيداً لبدء تنفيذها العام المقبل، مع التوسع إلى مديريات في شمال المملكة وجنوبها، مؤكدة استمرار العمل بالبرنامج والبناء على أثره في المدارس.
وأشادت بالشراكة مع الجانب الياباني، وقدمت الشكر للسفير الياباني و«جايكا» على التعاون المثمر خلال المرحلة الأولى، مشيرة إلى تعدد المشاريع التي تنفذها الوكالة بالتعاون مع الوزارة.
وأضافت أن أثر المشروع دفع الوزارة إلى تبني خطة لاستدامته لثلاث سنوات والتوسع في المديريات وتدريب المعلمين، وفق خطة واضحة بدأ الإعداد لها منذ العام الماضي، معربة عن أملها في استمرار الشراكة وتعزيز نتائجها في المدارس.
وأشارت إلى أن التعاون مع «جايكا» يشمل أيضاً مشروعاً يتعلق بالصحة النفسية، ينفذ في مديريات متعددة بالمملكة بالتعاون مع وزارة الصحة، مؤكدة أهمية استمرار التعاون وضمان استدامة نتائجه.
وبحسب النبذة التعريفية، تخطط الوزارة، اعتباراً من العام الحالي، لتطبيق نموذج البيئة التعليمية الإيجابية وتعميمه على مستوى المملكة.
وتحدد المادة التعريفية خطة للتوسع والاستدامة خلال الفترة 2026–2028، بقيادة الوزارة وإدارة الموارد البشرية، واعتماداً على موازنتها الخاصة، لتوسيع نطاق التنفيذ من تسع مديريات إلى جميع المديريات الـ18 في إقليم الوسط.
وتشمل الخطة أنشطة التدريب والتوجيه والإرشاد واجتماعات المديرين والحصص المفتوحة، بما يدعم استمرار الممارسات داخل المدارس.
أما توجهات المرحلة الثانية، للفترة 2027–2032، فتتضمن توسيع الفئات المستهدفة من الصفوف الأول إلى السادس لتشمل طلبة الروضة الأولى «KG1» وحتى الصف التاسع، والتوسع جغرافياً من منطقة الوسط إلى جميع أنحاء المملكة، وفق رؤية توفر لكل طفل بيئة مدرسية آمنة وشاملة وتشاركية تعزز نموه الأكاديمي والاجتماعي والعاطفي.
وتتزامن بداية المرحلة الثانية المرتقبة مع استمرار خطة التوسع والاستدامة خلال عامي 2027 و2028، بما يدعم انتقال التجربة إلى مبادرة إصلاح تعليمي وطنية مستدامة، تمنح الطالب فرصة أوسع لقيادة الحوار وتنظيم تعلمه وتحمل مسؤولية صفه ومدرسته.