في العاصمة بانكوك يحتل مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات مساحة كبيرة من وسط المدينة، ويقع بالقرب من بحيرة صناعية كبيرة، حيث يوفر المركز الذي تنعقد فيه حاليًا الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لهذا العام مساحة إجمالية تبلغ نحو 300 ألف متر مربع لاستضافة وفود من مختلف أنحاء العالم، وتظهر خبرة تايلند في تنظيم المؤتمرات بصورة واضحة من ضمن خبرتها السياحية بشكل عام، خاصة مع اتصال المركز المباشر بشبكة المترو ووجود مرافق تجارية وخدمية تتداخل مع وظيفته الأساسية، والأمر نفسه في دول عربية توفر البنية التحتية للمؤتمرات وتتوسع فيها مثل المقر الذي أسسته السعودية في ضاحية ملهم القريبة من الرياض، وأيضًا مقرات كبيرة للمؤتمرات في دول مثل قطر والإمارات.
في أوروبا توجد أيضًا تجهيزات حديثة وضخمة للمؤتمرات والمعارض، وتتشابك مقرات المؤتمرات مع البنية التحتية للمواصلات والقطاع السياحي لتصبح أوروبا مقصدًا للمؤتمرات صيفًا وآسيا شتاءً، وفي كليهما تكون التكلفة مرتفعة نسبيًا على المشاركين.
وفي كثير من المحطات لا يتوفر ما يمكن للأردن أن يوفره من جودة المناخ والطبيعة الجمالية للفضاء الأردني ووجود بنية تحتية معقولة مقارنة بالدول التي تشارك الأردن في فضائه الجغرافي مثل سوريا والعراق، وبذلك يصبح التفكير في بناء مركز أردني للمؤتمرات يتصل ببنية سياحية وتجارية وترفيهية موجهة للمواطن الأردني بالدرجة الأولى مدخلًا لتأسيس نموذج قابل للاستدامة من خلال توفير مصادر دخل مستمرة ويخفف من الأعباء المالية التي يمكن أن تترتب على إنشاء مركز كبير وتشغيله.
كان مركز الملك الحسين للمؤتمرات في البحر الميت خطوة كبيرة وطموحة عند تأسيسه منذ سنوات، وما زال يعد من الناحية الجمالية والوظيفية مقرًا متميزًا لاستضافة أحداث عالمية كبيرة، ولكنه بمقاييس اليوم وبعد عشرين سنة تقريبًا يطرح سؤالًا حول قدرته على المنافسة ووضع الأردن على الأجندة الدولية، خاصة مع التوسع الكبير في صناعة المؤتمرات وتزايد متطلباتها من حيث المساحات والتجهيزات والخدمات المساندة.
والمطلوب حاليًا، وقريبًا من عمان، تأسيس نموذج يتداخل فيه التجاري مع الوظيفي لخدمة غاية دخول الأردن إلى عالم الأحداث الكبرى، والتي يمتلك الأردنيون الخبرة في تنظيمها من الناحية الأمنية واللوجستية، ويمكن أن يتأسس هذا النموذج على شراكة بين القطاعين العام والخاص تتوزع فيها الاستثمارات بين المرافق الأساسية للمؤتمرات والمشاريع التجارية والسياحية والترفيهية المحيطة بها.
للمشاركين في المؤتمرات، وخاصة الدولية، قدرة مرتفعة على الإنفاق قياسًا بالسياح الاعتياديين، وما يحتاجونه هو فضاء التقاء إيجابي تتوافر فيه المواصلات والخدمات والإقامة المناسبة، والأردن بأجوائه وطبيعته على مدار السنة يمكن أن يقتنص حصة منتجة من هذه السياحة التي تتوسع في العالم على الرغم من ظهور وسائل التواصل الإلكترونية، وتحتاج المنافسة في هذه الصناعة إلى عمل مستمر لاستقطاب الأحداث الدولية من خلال العلاقات مع المؤسسات والمنظمات والجمعيات المهنية والعلمية، إلى جانب توفير خدمات النقل الجوي وتسهيلات الدخول والتسويق.
وفي هذا السياق يمكن للأردن أن يفكر أيضًا في تأسيس مجموعة من المؤتمرات والأحداث الدورية التي ترتبط به وتصبح جزءًا من الأجندة الدولية، خاصة في المجالات التي يمتلك فيها خبرة وحضورًا مثل المياه واللاجئين والتنمية والشمول المالي، وهي موضوعات تحظى باهتمام عالمي واسع وتتيح للأردن الاستفادة من خبراته وعلاقاته الدولية في استقطاب الباحثين والمؤسسات وصناع القرار، وتفتح مجالًا لنشاط اقتصادي يتجاوز أيام انعقاد المؤتمرات نفسها.
الإعلان عن النوايا من غير مباشرة خطوة رئيسية وكبيرة تضع الأردن على خارطة المؤتمرات والمعارض الدولية يبقى مجرد خطاب استهلاكي لا يجد من يتبناه بسبب التكلفة المرتفعة، ولكن هذه التكلفة يجب أن تبذل في وقت أو آخر للحصول على العائد المطلوب، وهو ما يستدعي اتخاذ قرار واضح بتطوير مركز حديث للمؤتمرات والمعارض بالقرب من عمان، وتحديد موقعه ونموذجه الاستثماري والجدول الزمني لتنفيذه، والشروع في بناء شراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية، فاستمرار الحديث عن الطموح الأردني من غير تخصيص الموارد اللازمة لتحقيقه يعني ببساطة أن تواصل الدول الأخرى الاستثمار في صناعة المؤتمرات والمعارض والتوسع فيها، في الوقت الذي يكتفي الأردن بالحديث عن فرصه ومزاياه.