أجمع خبراء اقتصاديون على أن توقعات صندوق النقد الدولي بتسارع نمو الاقتصاد الأردني إلى 3.1 بالمئة خلال عام 2027، مقارنة مع 2.7 بالمئة خلال العام الحالي، تعكس قدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة النمو رغم التحديات الإقليمية واضطرابات أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وقالوا في أحاديث لـ(الرأي) إن التوقعات تستند إلى مؤشرات أداء إيجابية، في مقدمتها نمو القطاعات الإنتاجية والاستقرار النقدي والمالي، إلى جانب الاحتياطيات من العملات الأجنبية، مشيرين إلى أن المحافظة على مسار النمو تتطلب تعزيز الاستثمار والصادرات، ورفع القيمة المضافة المحلية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية بما يقلل تأثر الاقتصاد بالتقلبات الخارجية.
ورجح صندوق النقد الدولي، وفق تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر الثلاثاء، تسارع نمو الاقتصاد الأردني إلى 3.1 بالمئة خلال العام المقبل، مقابل 2.7 بالمئة متوقعة للعام الحالي، مقارنة بنمو بلغ 2.8 بالمئة في عام 2025، بزيادة مقدارها 0.4 نقطة مئوية بين عامي 2026 و2027.
وتأتي هذه التوقعات بالتزامن مع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3 بالمئة خلال الربع الثاني من العام الحالي، مقارنة مع 2.8 بالمئة في الفترة المقابلة من العام الماضي، وفق دائرة الإحصاءات العامة، مدعوماً بنمو قطاعات الزراعة بنسبة 7.8 بالمئة، والصناعات التحويلية بنسبة 6.2 بالمئة، والكهرباء بنسبة 5 بالمئة.
وعلى المستوى الإقليمي، توقع التقرير انكماش اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 2 بالمئة خلال العام الحالي، قبل أن يتعافى بنمو يصل إلى 7 بالمئة في عام 2027، فيما توقع نمو مجموعة الدول المستوردة للنفط، التي تضم الأردن، بنسبة 4.7 بالمئة في كل من العامين الحالي والمقبل.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن توقعات الصندوق تعكس تحسناً تدريجياً في آفاق الاقتصاد الأردني، مع ترجيح ارتفاع النمو من 2.7 بالمئة خلال عام 2026 إلى نحو 3.1 بالمئة في عام 2027، رغم استمرار الضغوط الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة.
وأضاف أن زيادة توقعات النمو بمقدار 0.4 نقطة مئوية للعام المقبل، في وقت تواجه فيه اقتصادات المنطقة تحديات متزايدة، تعكس قدرة الاقتصاد الأردني على المحافظة على نشاطه والاستفادة من أداء القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة.
وأشار عايش إلى أن النظرة الإيجابية للصندوق لا تقتصر على توقعات النمو، بل تمتد إلى مؤشرات الحساب الجاري والتضخم، إذ يُتوقع تراجع عجز الحساب الجاري من نحو 7.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 إلى 5.7 بالمئة في عام 2027، بالتزامن مع انخفاض معدل التضخم من 2.5 بالمئة إلى 2.3 بالمئة.
وأوضح أن هذه المؤشرات، إلى جانب الاحتياطيات من العملات الأجنبية، تعكس أهمية الاستقرار النقدي والمالي في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على التعامل مع المتغيرات الخارجية، لافتاً إلى أن استمرار هذا المسار يتطلب الحفاظ على تنافسية القطاعات الإنتاجية وتوسيع قدرتها على توليد الصادرات والإيرادات من العملات الأجنبية.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إن توقعات صندوق النقد الدولي بنمو الاقتصاد الأردني بنسبة 2.7 بالمئة في عام 2026، وارتفاعه إلى 3.1 بالمئة في عام 2027، تعكس تفاؤلاً حذراً بقدرة الاقتصاد الوطني على المحافظة على استقراره وتحقيق تعافٍ تدريجي، رغم استمرار تداعيات الحرب في المنطقة واضطرابات أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وأوضح أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3 بالمئة خلال الربع الثاني من العام الحالي يقدم مؤشراً إيجابياً، مدعوماً بأداء قطاعات إنتاجية رئيسية، إلا أن استمرار التحسن يتطلب تعزيز الاستثمار والصادرات وتوسيع النشاط الاقتصادي القادر على توفير فرص العمل.
وأضاف أن إغلاق مضيق هرمز واضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط يشكل مخاطر مباشرة على الاقتصاد الأردني، باعتباره اقتصاداً مستورداً للطاقة، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن إلى زيادة كلف الإنتاج والنقل، ورفع أسعار السلع والخدمات، بما يضغط على القوة الشرائية للأسر وتنافسية الصادرات.
وأشار مخامرة إلى أن توقع ارتفاع التضخم إلى 2.5 بالمئة خلال العام الحالي قبل تراجعه إلى 2.3 بالمئة في عام 2027 يعكس استمرار الضغوط السعرية، وإن كان التراجع المتوقع يوفر مؤشراً على تحسن تدريجي في البيئة الاقتصادية.
وعلى صعيد القطاع الخارجي، بيّن أن ارتفاع عجز الحساب الجاري المتوقع إلى نحو 7.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، مقارنة مع 5.6 بالمئة في عام 2025، يمثل أحد أبرز التحديات، في ظل ارتفاع فاتورة الطاقة واحتمال تأثر الصادرات والسياحة والخدمات بالتوترات الإقليمية.
وأكد أهمية تنمية الصادرات واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وزيادة الإيرادات السياحية والخدمية، لتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية.
ولفت إلى أن توقع انكماش اقتصاد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 2 بالمئة خلال العام الحالي، قبل التعافي المتوقع في 2027، يعكس حجم المخاطر التي تواجه المنطقة، موضحاً أن استمرار الاضطرابات قد يؤثر في التجارة والاستثمار والسياحة، فيما يمكن أن تتيح عودة الاستقرار فرصاً للأردن لتعزيز موقعه في مجالات الخدمات اللوجستية والنقل والتجارة.
وشدد مخامرة على ضرورة تعزيز الأمن الطاقي وتسريع تنفيذ المشاريع الاستثمارية والإنتاجية، ودعم الصناعات التحويلية والزراعة والخدمات الرقمية، إلى جانب المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي وتحسين بيئة الأعمال، وربط الحوافز الاستثمارية بخلق فرص العمل وزيادة القيمة المضافة المحلية.
بدوره، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان أن توقعات تسارع النمو إلى 3.1 بالمئة في عام 2027 تعكس استمرار قدرة الاقتصاد الوطني على النمو رغم الظروف الإقليمية الاستثنائية، مشيراً إلى أن الأهمية الحقيقية لهذه التوقعات تكمن في مدى قدرة النمو على توليد الصادرات وفرص العمل والعملات الأجنبية.
وأوضح أن الاستقرار النقدي والمالي ومتانة القطاع المصرفي واستمرار النشاط في القطاعات الإنتاجية تشكل عوامل داعمة للاقتصاد، إلا أن تحقيق نمو أكثر استدامة يتطلب تعزيز المحركات الداخلية، بحيث ترتبط زيادة النشاط الاقتصادي بالإنتاج والاستثمار، لا بمجرد تحسن الظروف الخارجية.
وأشار السرحان إلى أن بيانات التجارة الخارجية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي أظهرت ارتفاع الصادرات الكلية بنسبة 10.3 بالمئة، مقابل نمو الصادرات الوطنية بنسبة 4.6 بالمئة، وارتفاع إعادة التصدير بنسبة 67.2 بالمئة.
وبيّن أن نحو 60 بالمئة من الزيادة في قيمة الصادرات الكلية خلال الفترة جاء من نشاط إعادة التصدير، وهو ما يدعم حركة التجارة والخدمات اللوجستية، لكنه يختلف في أثره الإنتاجي عن نمو الصادرات المصنعة محلياً.
وأكد أن هذه المؤشرات تبرز فرصة لتعزيز القيمة المضافة المحلية من خلال تطوير عمليات التصنيع والتعبئة والتخزين والخدمات المرتبطة بالتصدير، بما يوسع استفادة الشركات والعمالة الأردنية من نمو التجارة الخارجية، ويعزز مساهمة الإنتاج المحلي في زيادة الصادرات.
وأضاف أن اتساع عجز الحساب الجاري المتوقع خلال العام الحالي، رغم استمرار النمو، يؤكد حساسية الاقتصاد لتكاليف الطاقة والشحن والتأمين وتدفقات السياحة والخدمات، ويبرز أهمية زيادة الصادرات الوطنية وإيرادات الخدمات والسياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ولفت إلى أن انخفاض عجز الميزان التجاري السلعي بنسبة 6 بالمئة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي يمثل تطوراً إيجابياً، ولا يتعارض مع توقع اتساع عجز الحساب الجاري على مستوى العام بأكمله، لاختلاف الفترة الزمنية التي يغطيها المؤشران وشمول الحساب الجاري معاملات أوسع من التجارة السلعية.
وأوضح السرحان أن تعزيز الاستقرار الخارجي يتطلب أيضاً تشجيع الاستثمارات التي تخفض الاعتماد على المستوردات بصورة اقتصادية وتنافسية، وتزيد قدرة الشركات الوطنية على التوسع في الأسواق الخارجية، بما يحقق أثراً مستداماً على ميزان المدفوعات.
وأشار إلى أن توسيع الطاقة الإنتاجية للشركات الصناعية والتصديرية القائمة التي تمتلك أسواقاً وطلبات شراء فعلية قد يحقق نتائج أسرع من انتظار اكتمال دورة تأسيس استثمارات جديدة، مقترحاً تطوير برنامج مشترك بين الجهات الاقتصادية والبنوك والقطاع الصناعي لدعم الشركات التي تواجه قيوداً تمويلية أو إنتاجية أو لوجستية تعيق تلبية طلبات التصدير.
وبيّن أن توفير حلول تمويلية مرتبطة بالطلبات التجارية وخطط التوسع، بالتوازي مع ربط الشركات بالموردين المحليين، يمكن أن يرفع القيمة المضافة المحلية ويزيد الصادرات وفرص العمل، ويوجه التمويل نحو أنشطة إنتاجية تمتلك طلباً فعلياً في الأسواق الخارجية.
كما شدد على أهمية تسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية في المياه والنقل والطاقة، ومتابعة أثرها على كلف الإنتاج والتنافسية الصناعية، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل التوريد، بما يقلل تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية.
واختتم السرحان بالتأكيد أن توقعات تسارع النمو تمثل فرصة للبناء على الاستقرار والتقدم في القطاعات الإنتاجية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي التركيز على زيادة العائد الاقتصادي من الاستثمارات، من حيث القيمة المضافة المحلية وفرص العمل والصادرات والقدرة على توليد العملات الأجنبية أو توفيرها.
وأكد أهمية اعتماد مؤشرات واضحة لقياس نتائج المشاريع الاستثمارية الكبرى، تشمل حجم المشتريات من الشركات الأردنية، ونسبة المكون المحلي في الإنتاج، والصادرات الفعلية والوظائف المستحدثة، بما يساعد على توجيه الحوافز والموارد نحو الاستثمارات الأعلى أثراً على الاقتصاد الوطني، وبما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.