أجمع خبراء اقتصاديون على أن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى أستراليا تحمل أهمية استراتيجية في توسيع الشراكات الدولية للمملكة، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، لا سيما في قطاعات التعدين والصناعات التحويلية والتكنولوجيا، مشيرين إلى أن الاستفادة من الخبرات الأسترالية واستقطاب الاستثمارات النوعية يمكن أن يسهما في رفع القيمة المضافة للموارد الوطنية وتعزيز الصادرات وتوفير فرص العمل.
وقالوا في أحاديث لـ(الرأي) إن التحركات الملكية تعزز العلاقات الثنائية وتوسع مجالات التعاون مع الاقتصادات المتقدمة، بما يتجاوز زيادة التبادل التجاري إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير القدرات الإنتاجية، مؤكدين أهمية ترجمة نتائج اللقاءات إلى مشاريع وشراكات عملية تدعم تنافسية الاقتصاد الوطني.
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني عقد، أمس الثلاثاء، لقاء في العاصمة الأسترالية كانبرا مع رئيسة مجلس الشيوخ سو لاينز ورئيس مجلس النواب ميلتون ديك، أعرب خلاله عن تقديره لمواقف أستراليا تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وحرص الأردن على تعزيز العمل المشترك، لا سيما في المجالين السياسي والبرلماني.
وتناول اللقاء أهمية تكثيف الجهود الدولية لاستعادة التهدئة في المنطقة، ووقف الاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة والقدس، إلى جانب دعم جهود سوريا ولبنان في الحفاظ على أمنهما واستقرارهما وسيادتهما.
وقال الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان إن الزيارة تعزز الإطار السياسي والبرلماني للعلاقات الثنائية، وتكتسب أهمية اقتصادية خاصة في ضوء اللقاء مع ممثلي جمعية شركات التعدين والاستكشاف الأسترالية، التي تضم أكثر من 575 شركة عاملة في قطاع التعدين والخدمات المرتبطة به.
وأوضح أن الشراكة مع اقتصاد متقدم مثل أستراليا تتيح للأردن الاستفادة من خبراته في تطوير الموارد الطبيعية وزيادة إنتاجيتها، وتحويلها إلى صناعات ومنتجات ذات قيمة مضافة أعلى، بما ينعكس إيجاباً على الصادرات والتشغيل والنمو الاقتصادي.
وأشار السرحان إلى أن حجم التبادل التجاري بين الأردن وأستراليا في السلع والخدمات بلغ نحو 348.7 مليون دولار أسترالي خلال السنة المالية 2024-2025، وفق البيانات الرسمية الأسترالية، توزعت بين واردات أسترالية من الأردن بقيمة 131.5 مليون دولار أسترالي، وصادرات أسترالية إلى المملكة بقيمة 217.2 مليون دولار أسترالي.
وبيّن أن هذه الأرقام تعكس وجود قاعدة تجارية يمكن البناء عليها، لكنها تتيح في الوقت نفسه مجالاً لتوسيع التعاون في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية، بحيث لا تقتصر الشراكة على تبادل السلع، بل تشمل استثمارات تسهم في تطوير المنتجات الأردنية ورفع قدرتها التنافسية والاستفادة من الخبرات الصناعية الأسترالية.
وأضاف أن قطاع التعدين من أبرز المجالات الواعدة للتعاون بين البلدين، في ضوء الخبرة الأسترالية في الاستكشاف والتعدين والتكنولوجيا المرتبطة بهما، وما يمتلكه الأردن من موارد معدنية وفرص لتطوير الصناعات التحويلية.
وأوضح أن الأولوية تتمثل في استقطاب الشركات القادرة على المساهمة في مراحل الاستكشاف والتقييم الفني والاستخراج والتصنيع، بما يعزز القيمة المضافة المحلية، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام متى توافرت الجدوى الاقتصادية للتصنيع.
وربط السرحان هذه الفرص بتطوير البنية التحتية للنقل، مشيراً إلى أهمية مشروع سكة حديد العقبة والشيدية ومعان في تعزيز جاذبية الاستثمار في القطاع، من خلال خفض تكاليف نقل المنتجات التعدينية ورفع تنافسية الصادرات.
وبيّن أن التكامل بين الخبرات الأسترالية والموارد الأردنية والبنية التحتية للنقل يمكن أن يسهم في بناء سلسلة إنتاج متكاملة تشمل الاستخراج والتصنيع والنقل والتصدير، بما يزيد العائد الاقتصادي من الثروات الطبيعية ويوسع فرص العمل في المحافظات.
وأشار إلى أن فرص التعاون تمتد إلى إدارة الموارد المائية والتكنولوجيا الزراعية، في ظل الخبرات الأسترالية في تحسين كفاءة استخدام المياه وتطوير الإنتاج الزراعي في البيئات الجافة، وهي مجالات تتصل مباشرة باحتياجات الأردن.
وأوضح أن نقل هذه الخبرات يمكن أن يسهم في خفض تكاليف الإنتاج الزراعي ورفع إنتاجيته وتعزيز الأمن الغذائي، فضلاً عن فتح المجال أمام شراكات بين الشركات والجامعات ومراكز البحث في البلدين.
وفي السياق ذاته، رأى السرحان أن الجهود الملكية الرامية إلى تعزيز التهدئة والاستقرار في المنطقة تحمل أبعاداً اقتصادية مهمة، في ظل انعكاس التوترات الإقليمية على التجارة والاستثمار والسياحة وتكاليف الشحن والتأمين. وأضاف أن توسيع الشراكات مع دول بعيدة جغرافياً، مثل أستراليا، يسهم في تنويع الأسواق ومصادر التكنولوجيا وتقليل تركز المخاطر الاقتصادية.
وشدد على أن تعظيم المردود الاقتصادي للزيارة يتطلب الانتقال إلى مرحلة المتابعة العملية، من خلال إعداد قائمة بمشاريع تعدين وصناعة ذات جدوى أولية، تتضمن البيانات الفنية والاحتياجات التمويلية ومتطلبات البنية التحتية وفرص التصنيع المحلي، وعرضها على الشركات الأسترالية المتخصصة.
كما دعا إلى تشكيل فريق متابعة اقتصادي وفني يضم الجهات المعنية بالاستثمار والطاقة والثروة المعدنية وممثلين عن القطاع الخاص، لتحديد الشركات المستهدفة وتطوير مشاريع قابلة للتنفيذ، مشيراً إلى أهمية قياس النتائج بحجم الاستثمارات التي تدخل مرحلتي التنفيذ والإنتاج، والقيمة المضافة المحلية، والوظائف المستحدثة، ونمو الصادرات الصناعية.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن الزيارات الملكية إلى مختلف دول العالم تسهم في تعزيز العلاقات الدولية وفتح أسواق جديدة أمام الصناعات الأردنية، إلى جانب تهيئة الظروف اللازمة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع التعاون في القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية.
وأوضح أن زيارة أستراليا تتيح فرصاً لتطوير التعاون في مجالات التكنولوجيا والدفاع والتعدين والصناعات التحويلية، والاستفادة من الخبرات الأسترالية في القطاعات التي يمتلك الأردن فيها فرصاً للنمو والتوسع، مشيراً إلى أهمية اللقاءات مع ممثلي الشركات والمؤسسات الأسترالية في التعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة.
وأضاف أن التحركات الملكية تسهم في تذليل العقبات أمام حركة البضائع والمسافرين، وتوسيع مجالات التبادل التجاري والاستثماري والسياحي، بما يدعم نمو الاقتصاد ويعزز ثقة المستثمرين بالفرص المتاحة في الأردن.
وأشار دية إلى أهمية اللقاءات التي تشمل مؤسسات حكومية ومنظمات غير ربحية أسترالية تعمل في مجال الصحة النفسية، للاستفادة من الخبرات المتقدمة وتوسيع التعاون بين البلدين في هذا القطاع الحيوي، بما يفتح المجال أمام تبادل المعرفة والخبرات المؤسسية.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إن لقاء جلالة الملك برئيسة مجلس الشيوخ الأسترالي ورئيس مجلس النواب يمثل خطوة إضافية في مساعي الأردن لتعزيز علاقاته الدولية وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي مع أستراليا.
وأضاف أن توسيع التنسيق بشأن أمن المنطقة واستقرارها وسيادة دولها يسهم في تعزيز التفاهم الدولي حول تداعيات الصراعات الإقليمية، في وقت ترتبط فيه البيئة السياسية والأمنية بقدرة الاقتصادات على جذب الاستثمارات واستدامة النشاط التجاري.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار مخامرة إلى أن العلاقات السياسية والبرلمانية تهيئ بيئة داعمة للتعاون الاقتصادي، وتعزز ثقة المستثمرين الأستراليين بالفرص المتاحة في المملكة، خاصة في ظل سعي الأردن إلى استقطاب استثمارات نوعية وتنويع شراكاته الدولية.
وبيّن أن لقاء جلالة الملك ممثلي جمعية شركات التعدين والاستكشاف الأسترالية يوفر فرصة للاستفادة من الخبرات الأسترالية في الاستكشاف والتكنولوجيا والتعدين، وتطوير استغلال الثروات المعدنية الأردنية، بما يعزز فرص إقامة مشاريع إنتاجية وصناعية مشتركة.
وشدد مخامرة على أن المكاسب المرجوة من الزيارة لا تقتصر على تدفق الاستثمارات، بل تشمل توطين الخبرات الفنية والإدارية وتطوير القدرات المحلية، بما يدعم تنافسية القطاعات الإنتاجية ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على الاستفادة من الشراكات الدولية على المدى الطويل.