5 مسارات رئيسة للانتقال إلى اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام الطاقة
أكد رئيس لجنة الطاقة والثروة المعدنية النيابية، النائب الدكتور أيمن أبو هنية، أن كفاءة الطاقة لم تعد قضية فنية تقتصر على ترشيد استهلاك الكهرباء وخفض قيمة الفواتير، بل أصبحت ضرورة اقتصادية وسيادية ترتبط بأمن الطاقة واستدامة الموارد وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وقال أبو هنية في حديثه إلى (الرأي)، إن اعتماد المملكة بدرجة كبيرة على استيراد مصادر الطاقة، في ظل التحديات المالية والاقتصادية، يجعل الحد من هدر الطاقة أولوية وطنية، لما يمثله من فرصة لخفض الكلف وتحفيز الإنتاج والاستثمار وتوفير فرص العمل.
وأضاف أن الأردن حقق تقدما في مجال الطاقة المتجددة وتنويع مصادر التزويد، إلا أن مواصلة هذا التقدم تتطلب تعزيز كفاءة الاستهلاك في المباني والمنشآت الصناعية وقطاعات التدفئة والتبريد والنقل، إلى جانب تحسين كفاءة شبكات الكهرباء وإدارة الطلب على الطاقة.
وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية لقطاع الطاقة للأعوام 2025–2035 تستهدف تحقيق وفر تراكمي في استهلاك الطاقة بنسبة 15% مقارنة بخط أساس عام 2023، ورفع حصة الطاقة المتجددة إلى 40% من مزيج توليد الكهرباء بحلول عام 2035، مؤكداً أهمية ترجمة هذه الأهداف إلى برامج تنفيذية ومؤشرات أداء قابلة للقياس والمتابعة والمساءلة.
وفيما يتعلق بالفاقد الكهربائي، أوضح أبو هنية أن خفضه يتطلب تحديث الشبكات ومعالجة الاختلالات الفنية وتحسين أنظمة القياس والتحصيل ومراقبة الأداء، مع تحديد مسؤوليات شركات التوزيع والجهات المنظمة وفق مؤشرات معلنة، لافتاً إلى أن الاستراتيجية الوطنية تستهدف خفض فاقد الكهرباء تدريجياً إلى 8% بحلول عام 2035.
وبيّن أن هدر الطاقة يظهر أيضاً في المباني التي تفتقر إلى العزل الحراري المناسب، وأجهزة التدفئة والتكييف منخفضة الكفاءة، والمنشآت الصناعية التي تستخدم معدات قديمة أو تفتقر إلى أنظمة مراقبة الاستهلاك، مشدداً على ضرورة تبني سياسة وطنية متكاملة لمعالجة هذه التحديات.
الصناعة الأردنية وفرص خفض الكلف
ولفت أبو هنية إلى أن القطاع الصناعي يمثل نموذجاً واضحاً للعائد الاقتصادي للاستثمار في كفاءة الطاقة، مشيراً إلى أن نتائج التقرير الوطني لتدقيق الطاقة في المنشآت الصناعية، الذي أُعلن عنه في شباط 2026، شملت دراسات لـ180 منشأة صناعية خلال الفترة 2016–2026، وأسفرت عن أكثر من ألف توصية لتحسين كفاءة الطاقة.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، بلغت الوفورات المالية السنوية المحتملة نحو 12.5 مليون دينار، مقابل استثمارات إجمالية مطلوبة تقارب 36.7 مليون دينار.
وأكد أن هذه النتائج تظهر إمكانية خفض جزء من كلف الإنتاج من خلال تحسين كفاءة استخدام الطاقة، بما يعزز قدرة المصانع الأردنية على المنافسة والتوسع والتوظيف والتصدير.
ودعا إلى توسيع برامج تدقيق الطاقة في المنشآت الصناعية، وربط نتائجها ببرامج تمويل ميسرة وحوافز مدروسة تساعد المصانع على تحديث معداتها وتركيب أنظمة التحكم الذكي والاستفادة من الطاقة الشمسية وتقنيات التخزين وفق الجدوى الفنية والاقتصادية.
كما شدد على أهمية تطوير دور صندوق تشجيع الطاقة المتجددة وترشيد الطاقة في تمويل المشاريع ومتابعة نتائجها، مؤكداً أن نجاح البرامج يقاس بحجم الطاقة التي يتم توفيرها فعلياً وقيمة الوفورات المتحققة، وليس بعدد الدراسات المنجزة فقط.
كفاءة المباني وحماية الأسر
وفي القطاع السكني والتجاري، أكد أبو هنية أهمية تحسين العزل الحراري واستخدام النوافذ المناسبة وأجهزة التدفئة والتكييف عالية الكفاءة، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع الطلب على التدفئة، مبيناً أن هذه الإجراءات تسهم في خفض الاستهلاك والكلف على المدى الطويل.
ودعا إلى تعزيز متطلبات كفاءة الطاقة في تصميم المباني الجديدة وترخيصها، وتوسيع البرامج التحفيزية لتحديث المباني القائمة بما يراعي الإمكانات المالية للمواطنين، إلى جانب التوسع في استخدام السخانات الشمسية وفق الجدوى الفنية والاقتصادية.
وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية تستهدف وصول استخدام السخانات الشمسية إلى 40% من الأسر، و50% من المستشفيات، و95% من الفنادق.
وشدد على ضرورة ألا تتحول برامج كفاءة الطاقة إلى عبء إضافي على الأسر محدودة الدخل، بل أن تتضمن حلولاً عملية لتحسين كفاءة المنازل وتوفير أجهزة آمنة وأقل استهلاكاً، بما يخفف قيمة الفواتير ويحسن ظروف المعيشة.
إدارة الطلب وتقليل الضغط على الشبكة
وأكد أبو هنية أن أمن الطاقة لا يرتبط فقط بزيادة قدرات التوليد أو استيراد كميات إضافية من الوقود، بل يشمل أيضاً إدارة الطلب بكفاءة، مشيراً إلى أن توزيع الاستهلاك على ساعات اليوم وتطوير العدادات الذكية وتطبيق التعرفة المرتبطة بوقت الاستخدام بصورة مدروسة يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على النظام الكهربائي وتقليل كلف تلبية الطلب خلال ساعات الذروة.
وشدد على ضرورة أن تراعي هذه السياسات العدالة في توزيع الأعباء وحماية الأسر محدودة الدخل، مع توفير المعلومات اللازمة للمستهلكين لمساعدتهم على تحسين أنماط الاستهلاك دون المساس باحتياجاتهم الأساسية.
وأضاف أن التوسع في الطاقة المتجددة ينبغي أن يترافق مع تطوير أنظمة التخزين الكهربائي وإدارة الشبكة وتعزيز قدرتها على استيعاب الإنتاج المتغير من مصادر الطاقة الشمسية والرياح.
5 مسارات لتعزيز كفاءة الطاقة
وحدد أبو هنية 5 مسارات رئيسة للانتقال إلى اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، تشمل وضع مؤشرات أداء سنوية معلنة لقياس الكفاءة في الصناعة والمباني والنقل والمرافق العامة وشبكات الكهرباء، وإلزام الجهات العامة والمنشآت الكبرى بإجراء تدقيق دوري للطاقة ووضع خطط تنفيذية لخفض الاستهلاك.
كما تشمل توسيع التمويل الميسر والحوافز للمشاريع التي تثبت قدرتها على خفض الاستهلاك وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير التشريعات والمعايير الفنية للمباني والمعدات والأجهزة الكهربائية، إلى جانب تعزيز الرقابة على الفاقد الكهربائي وتحديث شبكات النقل والتوزيع وتطوير أنظمة القياس والتحكم وإدارة الأحمال.
وأكد أن لجنة الطاقة والثروة المعدنية النيابية تضطلع بدور في متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية، ومراجعة التشريعات الناظمة للقطاع، ومساءلة الجهات المعنية عن نتائج البرامج والمشاريع ومدى انعكاسها على كلفة الطاقة للمواطن والقطاع الإنتاجي.
وختم أبو هنية، بالتأكيد أن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتحويل كفاءة الطاقة إلى رافعة اقتصادية وطنية، من خلال خفض الاستهلاك غير الضروري وتحسين كفاءة الصناعة والمباني وتقليل الفاقد وتطوير إدارة الطلب، بما يعزز أمن التزويد ويخفف كلف الإنتاج والأعباء عن المواطنين، مشيرا، إن نجاح سياسات الطاقة ينبغي أن يقاس بالنتائج الملموسة، وفي مقدمتها خفض الكلفة وتقليل الهدر وتحسين جودة الخدمة، مؤكداً أن معركة الأردن في قطاع الطاقة لا تقتصر على تأمين مصادر التزويد، بل تشمل حسن إدارة الموارد وتعظيم العائد الاقتصادي منها.