وثيقة إسرائيلية: نزع سلاح حماس مقابل الانسحاب وإعادة الإعمار
كشفت وثيقة سياسات صادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل قطاع غزة تُتخذ فعلياً في واشنطن، فيما تحاول إسرائيل التأثير في سياسة لم تعد تملك زمام المبادرة فيها، في اعتراف لافت بحجم اعتمادها على القرار الأميركي في رسم مستقبل القطاع.
ونشر المعهد في الثامن من تشرين الأول 2026 وثيقة بعنوان «نظام الإشارات الضوئية لتنفيذ خطة مجلس السلام لقطاع غزة – سياسة مقترحة لإسرائيل»، أعدها رئيس المعهد والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية تامير هايمن. وتأتي الوثيقة في ظل ترتيبات سياسية وأمنية لمرحلة ما بعد الحرب على غزة.
وتكمن أهمية الوثيقة في إقرارها بأن «السياسة الإسرائيلية هي في الواقع سياسة الولايات المتحدة، مع أن إسرائيل لا تزال قادرة على التأثير فيها»، بما يطرح تساؤلات حول مدى احتفاظ إسرائيل بقرارها السيادي بشأن مستقبل القطاع. وتتناول الوثيقة ما تسميه «الغموض البنّاء» الأميركي، القائم على عدم حسم تفاصيل كثيرة في الاتفاقيات مع إيران وحماس ولبنان، بما يمنح واشنطن هامشاً واسعاً للمناورة والمرونة في التنفيذ، إلا أن هذا الأسلوب يحمل مخاطر، أبرزها صعوبة تحديد الوضع القائم، وإمكانية تفسير الأطراف للاتفاقات بما يخدم مصالحها، بما قد يؤدي إلى سوء فهم وتصعيد عسكري.
وترى الوثيقة أن إسرائيل وافقت عملياً على نوع من «الاستعانة بالمصادر الأميركية» في إدارة سياسة الأمن القومي، إذ تشارك في بعض العمليات وتحافظ على قنوات مباشرة مع الرئيس الأميركي، إلا أن القرارات التي ترسم مستقبل علاقاتها بالمنطقة تُتخذ إلى حد كبير في واشنطن. وتؤكد الوثيقة أن خطة النقاط العشرين لم تكن في جوهرها فرضاً لفكرة أميركية على إسرائيل، بل جاءت تطبيقاً لخطة إسرائيلية لما بعد الحرب في غزة. فقد طُرحت الخطة الاستراتيجية عشية بدء المناورة البرية في تشرين الأول 2023، وقامت على الانتقال إلى «المرحلة الثالثة» بعد تفكيك كتائب حماس وتدمير بنيتها العسكرية، ثم نقل السيطرة المدنية تدريجياً إلى حكومة تكنوقراطية لا تتبع حماس أو السلطة الفلسطينية.
غير أن الحكومة الإسرائيلية لم تعتمد إطاراً سياسياً موازياً للعمل العسكري خلال العامين الأولين من الحرب، قبل أن تُفرض عليها لاحقاً ترتيبات خطة النقاط العشرين.
وتتضمن الخطة إنشاء «مجلس السلام الدولي لغزة» للإشراف على الإدارة التكنوقراطية، وهي اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بدعم من قوة أمنية دولية تتولى حفظ الأمن والإشراف على نزع سلاح القطاع.
وتبرز الوثيقة البند التاسع عشر من الخطة باعتباره الأكثر حساسية، لأنه يتضمن مساراً سياسياً يمكن أن يقود إلى إقامة دولة فلسطينية، وتعتبره شرطاً أساسياً لتوسيع «اتفاقيات أبراهام».
ووفق القراءة الإسرائيلية التي تعرضها الوثيقة، وافقت الحكومة على هذا الإطار انطلاقاً من افتراض أن حماس لن تلتزم بتعهداتها، وأن تنفيذ الخطة سيتعثر بعد إطلاق سراح الرهائن، بما يسمح باستئناف الحرب بدعم أميركي.
لكن التطورات تجاوزت هذا الحساب، ومع بدء عملية «زئير الأسد» ضد إيران، تراجعت حماس عن التزامها بتسليم الأسلحة الثقيلة والأنفاق ومواقع إنتاج السلاح، بينما واصل الجيش الإسرائيلي السيطرة على أجزاء إضافية من القطاع، لترتفع المساحة الخاضعة لسيطرته من 53% إلى نحو 65%. وفي المقابل، ركزت حماس على تعزيز سيطرتها المدنية والأمنية داخل القطاع.
وتتناول الوثيقة المرحلة الراهنة من خلال خطة النقاط الخمس عشرة، التي تهدف إلى إدخال الحكومة التكنوقراطية إلى غزة وإعادة العملية إلى المسار المتفق عليه.
ولا تعد إسرائيل طرفاً مباشراً فيها، باستثناء موافقتها على دخول قوة عسكرية أجنبية إلى أراضيها.
وتطرح الخطة، من وجهة النظر الإسرائيلية، مشكلات عدة، أبرزها آلية التحقق من نزع سلاح حماس، بمشاركة قطر وتركيا، وتسليم الأسلحة إلى سلطة أمنية فلسطينية لم تحدد طبيعتها وصلاحياتها، إضافة إلى عدم وضوح تعريف «الأسلحة الدفاعية» و«الهجومية».
كما لم تُحسم هوية القوة الفلسطينية التي ستتولى الأمن الداخلي.
وتقترح الوثيقة تحويل التقسيم الميداني القائم في غزة إلى نظام لإعادة الإعمار ونزع السلاح، عبر ثلاث مناطق: حمراء تشكل نحو 38% من مساحة القطاع ويقطنها نحو 1.8 مليون نسمة وتخضع لسيطرة حماس؛ وخضراء تبلغ نحو 53% وتخضع للجيش الإسرائيلي؛ وبرتقالية تبلغ نحو 12%، وهي المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي خارج الخط الأصفر منذ وقف إطلاق النار.
وتقوم الفكرة على ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح، وفق مبدأ «التسريح مقابل إعادة الإعمار».
ففي المنطقة الحمراء تتولى الإدارة التكنوقراطية الحكم المدني، بينما تُسلم حماس أسلحتها تدريجياً، وتعود الشرطة الفلسطينية التي خضعت للتدريب والفحص الأمني.
أما المنطقة البرتقالية فتشهد انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً بالتزامن مع نشر قوات أمن دولية وبدء إعادة الإعمار.
وفي المنطقة الخضراء تبقى القوات الإسرائيلية إلى حين التحقق من نزع السلاح، على أن يتم الانسحاب تدريجياً مقابل «تجريد موثق من السلاح».
وتوصي الوثيقة بأن تكون عملية التحقق دولية، بمشاركة الولايات المتحدة وقطر وتركيا ودول أخرى، وأن تتمتع اللجنة بصلاحيات التفتيش المفاجئ والوصول إلى المواقع المشبوهة وإجراء الفحوص الفنية والاستفادة من المعلومات الاستخباراتية.
كما تدعو إسرائيل إلى الحفاظ على التعاون مع إدارة ترامب وتجنب المواجهة العلنية معها، وإنشاء قناة عمل متخصصة بين مجلس الأمن القومي الإسرائيلي والجهات المقابلة في «مجلس السلام»، لعرض التحفظات الإسرائيلية عبر القنوات الدبلوماسية، إلى جانب تسريع إنشاء الحكومة المدنية البديلة وقوات الأمن الفلسطينية.
وتحدد الوثيقة خمسة تحديات رئيسية، أولها احتمال رفض حماس التخلي عن هويتها كحركة مقاومة مسلحة، والثاني مخاطر الانسحاب الإسرائيلي وما قد يثيره من مخاوف داخل إسرائيل، والثالث تقييد حرية عمل الجيش نتيجة وجود قوة دولية، والرابع احتمال استمرار حماس في الحكم من وراء الكواليس عبر عناصر تنضم إلى أجهزة الأمن، والخامس غياب مشاركة الدول الأوروبية إذا لم يتوافر مسار سياسي واضح نحو إقامة دولة فلسطينية.
وفي مواجهة ذلك، تقترح الوثيقة أن تظهر إسرائيل التزاماً بالمسار السياسي الوارد في خطة النقاط العشرين، من دون الالتزام في المرحلة الحالية بهدف إقامة دولة فلسطينية، والترويج بدلاً من ذلك لـ«رؤية الانفصال» التي تتيح قيام سيادة فلسطينية مستقلة ولكن محدودة ومنفصلة عن إسرائيل.
وتخلص الوثيقة إلى اعتراف صريح بأن إسرائيل «تخلّت فعلياً عن قدر كبير من استقلاليتها في سياستها الخارجية والأمنية في غزة، لصالح سياسة تُصاغ في معظمها في واشنطن»، فيما يمنح «الغموض البنّاء» الأميركي إسرائيل هامشاً لتنفيذ الخطة عبر السيطرة الإقليمية وإعادة الانتشار والتحقق من نزع سلاح حماس.
وتكشف الوثيقة في جوهرها عن تحول في النظرة الإسرائيلية إلى مستقبل غزة، يتمثل في الإقرار بأن إسرائيل لم تعد اللاعب الرئيسي في تحديد مستقبل القطاع، وأن دورها بات يتركز على التأثير في سياسة تُصاغ في واشنطن. وفي المقابل، تحاول «إشارات المرور الضوئية» تحويل التقسيم الجغرافي القائم إلى أداة تفاوضية لنزع السلاح وإعادة الإعمار تدريجياً.
غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطاً بالموافقة الأميركية، وتعاون حماس، ومشاركة دولية واسعة، وبخاصة أن المسار السياسي نحو إقامة دولة فلسطينية لا يزال يمثل العقبة الأكبر أمام انخراط عربي وأوروبي حقيقي.
وتحذر الوثيقة في ختامها من أن نجاح خطتي النقاط العشرين والخمس عشرة أو فشلهما سيتوقف إلى حد كبير على قدرة إسرائيل على استخدام صلاحياتها بحكمة، والحفاظ على التعاون مع واشنطن، ومواصلة المسار الدبلوماسي، محذرة من أن فشل الخطتين قد يُعزى بدرجة كبيرة إلى إسرائيل نفسها.