حذرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا الأربعاء من أن الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي تتحول سريعا إلى محرك رئيسي للاقتصادات حول العالم، لكنها تنطوي على خطر تفاقم عدم المساواة العالمية مع تخلف بعض الدول عن الركب.
وأعربت عن أسفها لغياب "إجراءات حاسمة" في الاقتصادات المتقدمة المثقلة بالديون، داعية إلى اتخاذ "خيارات سياسية صعبة للغاية" لإعادة أوضاع المالية العامة فيها إلى مسار سليم.
وقالت غورغيفا في خطاب قبيل الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي المقررة في تايلاند الأسبوع المقبل، إن نسبة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي إلى الناتج المحلي الإجمالي يُرجح أن تتجاوز الأموال التي ضُخت في السكك الحديدية أو شبكات الكهرباء أو الاتصالات.
وأضافت أن النمو في التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يتركز خصوصا في الولايات المتحدة والصين والهند، حيث تنفق الشركات مبالغ طائلة على مراكز البيانات وغيرها من البنى التحتية، فيما تستفيد دول أخرى من تصنيع الرقائق الإلكترونية والروبوتات.
وقالت غورغيفا "سواء أحببناه أو كرهناه أو خشيناه، فإن الذكاء الاصطناعي موجود، ويتحول سريعا إلى محرك رئيسي لتحديد مواقع الدول في الاقتصاد العالمي".
وحذرت من أنه "فيما يدفع ذلك اقتصادات الذكاء الاصطناعي اليوم إلى الأمام، فإنه يتجاوز إلى حد كبير معظم الاقتصادات الأخرى، ما يزيد خطر اتساع عدم المساواة الاقتصادية في أنحاء العالم".
وأضافت "يتطلب النجاح إشراك الجميع للاستفادة من القوة التحويلية للذكاء الاصطناعي، ولهذا سيكون من المهم للغاية إتاحة الوصول إليه في مختلف أنحاء العالم".
ويأتي خطاب غورغيفا وسط مخاوف متزايدة بشأن المبالغ الهائلة التي تُضخ في القطاع، والتساؤلات بشأن موعد تحقيق المستثمرين عوائد على هذه الاستثمارات، بعدما غذت الطفرة موجة صعود دفعت الأسواق إلى مستويات قياسية في العامين الماضيين.
وواصلت شركات التكنولوجيا ارتفاعها حتى بعد موجة تراجع خلال الصيف، إذ سجلت شركة "إنفيديا" لصناعة الرقائق مستوى قياسيا الثلاثاء، لترتفع قيمتها السوقية إلى نحو 5,7 تريليون دولار.
وحذرت غورغيفا من أنه "إذا جاءت الأرباح دون التوقعات، فإن ارتفاع مستويات المديونية لدى شركات التكنولوجيا العملاقة، إلى جانب الحيازات العالمية الكبيرة والمتنامية من الأسهم الأميركية، قد يحول خيبة الأمل إلى صدمة واسعة النطاق".
- خيارات صعبة -
وتطرقت غورغيفا أيضا إلى ارتفاع مستويات الديون الحكومية، في وقت تتزايد فيه تكاليف الاقتراض بفعل ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، بالتزامن مع إصدارات ضخمة من سندات الشركات لتمويل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.
وقالت "تؤدي العوائد المرتفعة إلى تضخم فاتورة الفوائد في وقت تواجه فيه الموازنات قيودا شديدة وأولويات إنفاق متنافسة، بما في ذلك الدفاع".
وأضافت "ثم تؤدي أسعار الفائدة الرئيسية المرتفعة إلى زيادة العوائد على الآجال القصيرة، ما ينعكس مباشرة على تكلفة الديون القصيرة الأجل".
وتابعت "مع ذلك، لا نرى إجراءات حاسمة في الاقتصادات المتقدمة ذات الديون المرتفعة، حيث تبرز الحاجة الملحة إلى خطط موثوقة لضبط المالية العامة على المدى المتوسط، تدعمها في بعض الحالات إجراءات مالية فورية".
وكان ارتفاع التضخم مدفوعا إلى حد كبير بالقفزة في أسعار النفط منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، لكن غورغيفا قالت إن الصدمة، رغم شدتها، أمكن احتواؤها بفضل إتاحة الاحتياطيات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والتخطيط للطوارئ، من بين عوامل أخرى.
غير أنها أشارت إلى أن أسعار النفط لا تزال تتجاوز 100 دولار، فيما بلغ الديزل مستويات قياسية ولا تزال إمدادات الغاز الطبيعي من الخليج متضررة بشدة، ما يلقي بثقله خصوصا على آسيا وأوروبا.
وحذرت من أنه حتى في حال انتهاء الحرب في إيران سريعا "من المرجح أن تستمر مشكلة ارتفاع أسعار الطاقة لبعض الوقت".
وأشادت ببعض المصارف المركزية لتحركها لمواجهة التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة، قائلة إن "الوقت الحالي قد يكون مناسبا لتبني ميل حذر نحو التشدد في السياسة النقدية في العديد من الدول".
وقالت إن الأسواق الناشئة تواجه تكاليف اقتراض أعلى وتدفقات رأسمالية أكثر تقلبا، فيما قد تضطر الدول منخفضة الدخل إلى خفض الإنفاق الضروري على التنمية.
وأضافت غورغيفا "ستكون رسالتي إلى صانعي السياسات الاقتصادية في العالم الأسبوع المقبل هي التالية: لا يمكننا الاستمرار في تأجيل الإجراءات الضرورية، لديكم الأدوات، فتحلوا الآن بالحكمة لاستخدامها".
وتابعت "نواجه بعض الخيارات السياسية الصعبة للغاية".
وطالبت غورغيفا صانعي السياسات "أن يشرحوا للناس لماذا يُعد ضبط المالية العامة ضروريا، ولماذا يصب في مصلحتهم. تحملوا بعض الألم اليوم من أجل النمو غدا".
وأكدت أنه يتعين عليهم أيضا "وضع خطط للحد قدر الإمكان من الكلفة على النمو المستقبلي، وحماية الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع"، إلى جانب "المضي في إصلاحات هيكلية مكمّلة".
أ ف ب + المملكة