أظهر مؤشر ثقة المستثمر في الأردن خلال الربع الثاني من عام 2026 ارتفاعًا بنسبة 21.9%، ليصل إلى 186.6 نقطة مقارنة بـ153.1 نقطة في الربع الأول، في وقت عكست فيه مكونات ومؤشرات اقتصادية أخرى مسارات متباينة، أبرزها تراجع مؤشر كميات الإنتاج الصناعي للربع الثالث على التوالي، وانخفاض مؤشري الثقة بالنظام النقدي والنظام المالي.
ويستند المؤشر الأردني لثقة المستثمر إلى ثلاثة مؤشرات فرعية تقيس النشاط الاقتصادي والنظام النقدي والنظام المالي، ما يعني أن ارتفاع المؤشر الكلي يعكس تحسن محصلة مكوناته .
وقال الخبير الاقتصادي هاشم عقل إن ارتفاع ثقة المستثمرين يعكس تحسنًا في إدراك القدرة على إدارة المخاطر الاقتصادية وظهور فرص أفضل، لكنه لا يمثل حتى الآن تحولًا كاملًا نحو النظر إلى الأردن كسوق استثمارية كبيرة الحجم.
وأضاف أن ارتفاع مؤشر الثقة إلى 186.6 نقطة جاء مدفوعًا بصورة رئيسة بقفزة مؤشر الثقة في النشاط الاقتصادي إلى 200 نقطة، وهو أعلى مستوى ربعي خلال ثلاث سنوات، بالتزامن مع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3% وبلوغ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 457.5 مليون دينار.
وأوضح عقل أن التحسن يرتبط بدرجة أكبر بالاستقرار النسبي في النشاط الاقتصادي واستقرار سعر الصرف والاحتياطيات وقدرة الاقتصاد على إدارة المخاطر، فيما تبقى الفرص الاستثمارية مرتبطة بقدرة البيئة الاقتصادية والمؤسسية على تحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
ولفت إلى أن المستثمر يبحث بصورة أساسية عن استقرار التشريعات، وسرعة الإجراءات، والقدرة على تحقيق عائد مناسب مقابل المخاطر، إلى جانب سهولة الوصول إلى التمويل والأسواق التصديرية والطاقة والعمالة الماهرة، فيما يأتي حجم السوق المحلي في مرتبة أقل أهمية مقارنة بقدرة الأردن على أن يكون قاعدة إقليمية أو تصديرية.
وبيّن عقل أن التحدي لا يكمن بالضرورة في غياب الفرص الاستثمارية، وإنما في القدرة على تحويل هذه الفرص إلى مشاريع إنتاجية بسرعة وكفاءة، خصوصًا في قطاعات الطاقة والمياه والتعدين والسياحة والأدوية وتكنولوجيا المعلومات والصناعات التصديرية.
ويرى عقل أن الاختبار الحقيقي للارتفاع الحالي يكمن في انتقال التفاؤل من المؤشرات إلى الاقتصاد الفعلي، عبر استثمارات منتجة ومستدامة، وزيادة التكوين الرأسمالي والصادرات والقيمة المضافة وخلق فرص العمل، إلى جانب تنفيذ المشاريع الكبرى بكفاءة وتحسين مؤشرات بيئة الأعمال.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن ارتفاع المؤشر يعكس تحسنًا حقيقيًا، لكنه لا يزال تحسنًا جزئيًا، موضحًا أن النشاط الاقتصادي كان المحرك الرئيس للقفزة المسجلة، مدفوعًا بنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3%، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي بلغت 457.5 مليون دينار، إلى جانب تراجع عجز الموازنة مقارنة بالربع السابق.
وأضاف عايش أن هذه المعطيات تشير إلى تحسن في البيئة الاستثمارية والثقة بالأداء الاقتصادي العام، إلا أن تراجع مؤشر كميات الإنتاج الصناعي للربع الثالث على التوالي يمثل إشارة مغايرة، ويؤكد أن تحسن الثقة لم يتحول بعد بصورة متوازنة إلى زيادة في القدرة الإنتاجية.
وبيّن أن تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال الربع الثاني تمثل إشارة مهمة إلى قدرة الاقتصاد الأردني على استقطاب رؤوس الأموال، رغم الظروف الإقليمية والدولية التي اتسمت بحالة من عدم اليقين، إلا أن ربعًا واحدًا لا يكفي للحكم على استدامة هذا الاتجاه.
وأشار عايش إلى أن تقييم الاستثمارات لا يرتبط بحجم التدفقات وحده، وإنما بطبيعتها والقطاعات التي تستهدفها وقدرتها على خلق طاقات إنتاجية جديدة، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، معتبرًا أن الاختبار الفعلي يكمن في تحويل هذه التدفقات إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
وفي المقابل، لا تعني الزيادة في المؤشر الكلي تحرك جميع مكوناته بالاتجاه ذاته، إذ تراجع مؤشرا الثقة بالنظام النقدي والنظام المالي، كما أظهرت بيانات المؤشر انخفاض قيمة الاحتياطيات الأجنبية من 19.01 مليار دينار في الربع الأول إلى 18.49 مليار دينار في الربع الثاني، بالتزامن مع ارتفاع قيمة الشيكات المرتجعة إلى نحو 275 مليون دينار، مقارنة مع 260.7 مليون دينار في الربع السابق.
وأوضح عايش أن جزءًا من هذه التطورات ارتبط بالظروف الإقليمية وتقلبات أسعار الذهب وتداعيات التوترات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن قراءة هذه المؤشرات بمعزل عن سياقها قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة، إذ كانت قوة الارتفاع في مؤشر النشاط الاقتصادي كافية لتعويض التراجع في المكونين النقدي والمالي ورفع المؤشر الكلي.
ويبرز تراجع مؤشر كميات الإنتاج الصناعي في هذا المشهد باعتباره إحدى أبرز نقاط التباين، إذ أوضح عايش أن ارتفاع أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج والظروف الخارجية أسهمت في التأثير على النشاط الصناعي، رغم نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وتحسن الاستثمار الأجنبي.
وأضاف أن استمرار تراجع المؤشر الصناعي لعدة أرباع قد يتحول إلى نقطة ضعف، خصوصًا أن الصناعة ترتبط بالإنتاجية والتصدير وفرص العمل والاستثمار طويل الأجل، ما يجعل السؤال لا يتعلق فقط بمعدلات النمو، وإنما بطبيعة القطاعات التي تقوده ومدى انعكاسه على الاقتصاد الحقيقي.
ويشير هذا التباين إلى أن ارتفاع الثقة لا يعني بالضرورة تحقق جميع النتائج الاقتصادية على أرض الواقع، إذ أوضح عايش أن مؤشر الثقة يحمل طابعًا استباقيًا يعكس تحسن البيئة والتوقعات، لكنه لا يعني تلقائيًا ارتفاع الاستثمار والإنتاج والتشغيل بالمقدار ذاته.
وتتقاطع قراءة الخبيرين عند أن ارتفاع الثقة يمثل إشارة إيجابية للاقتصاد الأردني، لكنه لا يشكل بمفرده دليلًا على تحول اقتصادي مستدام، إذ تبقى استدامة هذا التحسن مرتبطة بقدرته على الانتقال من المؤشر إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى الإنتاج، ثم إلى الصادرات وفرص العمل والدخل.
وبذلك، يشكل الربع الثاني محطة لافتة في مسار الثقة الاستثمارية، لكنه في الوقت ذاته يضع الاقتصاد الأردني أمام اختبار أكثر أهمية، يتمثل في تحويل ارتفاع الثقة إلى نشاط إنتاجي ملموس، خصوصًا في ظل استمرار التباين بين تحسن مؤشرات النمو والاستثمار من جهة، وتراجع مؤشر كميات الإنتاج الصناعي وبعض مكونات النظام النقدي والمالي من جهة أخرى.