أثر المعلم يستمر بعد سنوات من مغادرة المدرسة
«نحن امتداد لمعلمينا».. ليست مجرد عبارة تقال في يوم المعلم، بل حكاية تبدأ من مقعد الدراسة، حين يترك معلم كلمة أو موقفا أو قيمة في شخصية طالب، ثم تمتد السنوات ليجد الطالب نفسه في موقع المعلم، حاملا الرسالة ذاتها، وساعيا إلى نقل ما تعلمه إلى جيل جديد.
فأثر المعلم لا يتوقف عند حدود الصف، ولا يقاس بعدد الدروس التي يقدمها، وإنما بما يتركه في شخصية الطالب من ثقة ومعرفة وقيم، وما يبقى من كلماته ومواقفه بعد تغير السنوات والوجوه.
ومن هنا تأتي أهمية جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي، التي لا تكرم الإنجاز فحسب، وإنما تسهم في إبراز التجارب التعليمية المتميزة وتحويلها إلى خبرات يستفيد منها المعلمون والطلبة، وتعزيز ثقافة التميز في الميدان التربوي.
وقالت المعلمة المتميزة رقية الجعابرة من مدرسة الملك عبدالله الثاني للتميز في محافظة الطفيلة، إن أجمل ما في مهنة التعليم أن بدايتها لا تكون عند الوقوف أمام الطلبة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، حين يجلس المعلم على مقاعد الدراسة ويتلقى العلم والتربية على أيدي معلمين يتركون أثرا يمتد معه طوال حياته.
وأضافت في حديث إلى «الراي» أن تجربتها بدأت طالبة تأثرت بمعلميها ومواقفهم وكلماتهم، قبل أن تجد نفسها بعد سنوات في الموقع ذاته، مؤكدة أن التعليم بالنسبة لها ليس مجرد مهنة، وإنما رسالة ومسؤولية وفرصة لأن يكون المعلم شخصا يمنح الطالب المعرفة والثقة والدافع للاستمرار.
وأوضحت أن الطالب قد لا يتذكر جميع الدروس، لكنه يتذكر الموقف الذي شعر فيه أن معلمه آمن بقدرته، لافتة إلى أن كلمة تشجيع تقال في الوقت المناسب قد تبقى حاضرة في حياة الطالب لسنوات.
وأشارت الجعابرة إلى أن التحولات المتسارعة في التعليم وتغير احتياجات الطلبة وتزايد مسؤوليات المعلم فرضت تحديات دفعتها إلى تطوير أدواتها والبحث عن أساليب أكثر فاعلية، إلى جانب تحويل الأفكار إلى مبادرات وبناء شراكات مع مؤسسات المجتمع المحلي، وربط المعرفة بالحياة من خلال التعلم بالممارسة والتطبيق.
ورغم إتاحة مسارات مهنية أخرى أمامها، اختارت الاستمرار في الميدان التعليمي، مؤكدة أن وجودها بين الطلبة وفي المختبر والصف هو المكان الذي تجد فيه نفسها، وأن أكثر ما يمنحها الرضا هو رؤية المعلومة تتحول إلى تجربة والفكرة إلى اكتشاف والمعرفة إلى تطبيق.
ومن أبرز تجاربها مشروع صناعة السماد العضوي «الكمبوست»، الذي ارتبط بفوزها بجائزة الملكة رانيا العبدالله للمعلم المتميز عام 2016، موضحة أن المشروع حول المخلفات إلى مورد نافع، وعرف الطلبة بالمفاهيم البيئية من خلال التجربة والعمل بدلا من تلقيها نظريا.
وقالت إن الجائزة شكلت محطة مهمة في مسيرتها، وأتاحت لها الحصول على منحة لدراسة الماجستير ورتبة «معلم خبير»، فيما بقيت قيمتها المعنوية الأقرب إليها باعتبارها تقديرا لجهد المعلم في الميدان.
وتوقفت عند تجربة «سفيرة التميز»، معتبرة أنها مسؤولية لنقل الخبرات والتجارب إلى الميدان، مشيرة إلى استقطاب مشروع «بيئتي الأجمل» إلى مدرسة الملك عبدالله الثاني للتميز في الطفيلة، قبل أن يتحول إلى شراكة مع وزارة التربية والتعليم، بهدف تعزيز مفهوم البيئة المدرسية بوصفها مساحة تربوية تسهم في بناء شخصية الطالب وتعزيز المسؤولية والمبادرة والانتماء.
وأكدت أن استمرار المعلم في التعلم والتطوير جزء أساسي من رسالته، وأن أبرز ما تفخر به ليس جائزة أو لقبا، وإنما كل طالب شعر بأنه قادر، وكل فكرة تحولت إلى مبادرة، وكل شراكة فتحت أمام الطلبة فرصة جديدة للتعلم.
من جهتها، قالت المعلمة المتميزة رئام الخوالدة من مدرسة القصور الثانوية للبنات في لواء ماركا، إن وجودها اليوم في موقع المعلم يعني أن تكون امتدادا لمن زرعوا فيها الشغف والمعرفة وحب العلم، وأن تتحمل مسؤولية تتجاوز تقديم الدرس إلى بناء شخصية الطالبات ومساندتهن في تحقيق أهدافهن.
وأضافت في حديث إلى «الراي» أن تجربتها بدأت طالبة كانت تنظر إلى معلماتها بإعجاب وتتمنى أن تترك الأثر ذاته، مؤكدة أن كل درس تقدمه يمثل ردا لجميل معلماتها، وأن كل إنجاز تحققه هو إهداء لكل من أسهم في تعليمها ولكل طالبة استطاعت أن تكون لها دافعا نحو العلم والتميز.
وأشارت الخوالدة إلى أن استمرار أثر المعلم بعد انتهاء السنوات الدراسية يمثل أحد أصدق وجوه النجاح التربوي، مستذكرة عودة طالبات إليها بعد ست أو سبع سنوات لإخبارها بما وصلن إليه من دراسة وتخصصات ووظائف وتقديم الشكر لها.
وأكدت أن ما يبقى في ذاكرة الطالب ليس المنهج والعلامات وحدهما، وإنما الإنسان الذي يقف خلفهما؛ المعلم الذي يستمع إلى طلبته ويقدر مشاعرهم ويرى فيهم إمكانات قد لا يكتشفونها في أنفسهم.
وبينت أن من أبرز التحديات التي واجهتها الفروق الفردية داخل الصف ومقاومة بعض الطالبات للتعلم، مؤكدة أن الصبر والتعلم المستمر وبناء العلاقات الإنسانية والبحث عن استراتيجيات تعليمية جديدة ساعدها في التعامل معها.
وفي مجال تطوير التعليم، أشارت إلى أن رقمنة التعليم تعزز التعلم الذاتي وتمنح الطالب دورا أكبر في إدارة تعلمه وتقييمه وتطويره، فيما يتحول دور المعلم بصورة متزايدة إلى موجه وميسر وداعم للعملية التعليمية.
ووجهت الخوالدة رسالة إلى معلميها الأوائل قائلة: «شكرا لأنكم زرعتم ولم تنتظروا الحصاد، أنتم السبب في أنني أقف اليوم هنا»، كما وجهت للمعلمين والمعلمات رسالة تؤكد أنهم ليسوا مجرد موظفين، وإنما صناع أمل، وقد لا يظهر أثرهم مباشرة، لكنه يبقى حاضرا في حياة الطلبة الذين أسهموا في تشكيل شخصياتهم ومستقبلهم.
وتلتقي تجربتا الجعابرة والخوالدة عند حقيقة واحدة، مفادها أن رسالة المعلم لا تنتهي بانتهاء الحصة أو العام الدراسي، وأن ما يزرعه اليوم قد يظهر أثره بعد سنوات، حين يتحول الطالب إلى إنسان أكثر ثقة وقدرة، وربما إلى معلم يحمل الرسالة ذاتها إلى جيل جديد.