أبو دلو: الاقتحامات والقيود على المصلين انتهاك للقانون الدولي
عواد: الدبلوماسية الأردنية تسعى لمنع تكريس الإجراءات الإسرائيلية
أصبحت الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة للمسجد الأقصى المبارك والحرم القدسي الشريف جزءا من مشهد سياسي أكثر تعقيدا في المدينة، حيث تتداخل فيه حسابات الحكومة الإسرائيلية والجماعات الدينية المتطرفة مع مستقبل المدينة وهويتها والوضع التاريخي والقانوني القائم في مقدساتها.
الأردن يتعامل مع هذه التطورات باعتبار القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية قضية ذات أبعاد سياسية وقانونية ودبلوماسية، فضلا عن ارتباطها المباشر بالوصاية الهاشمية التي يواصل الأردن التأكيد عليها باعتبارها مسؤولية تاريخية وقانونية، محذرا من استمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية مباشرة من الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض وقائع جديدة أو تقسيم المسجد زمانيا ومكانيا.
خطورة هذه الاقتحامات يمكن قراءتها من المنظور السياسي الأردني والفلسطيني، على أنها لا تحدث بمعزل عن إجراءات أخرى داخل القدس، إذ تترافق مع قيود على حركة ودخول المصلين وإجراءات تعسفية ومضايقات تمس موظفي أوقاف القدس، هذا بالإضافة إلى أعمال استفزازية وتحركات لجماعات إسرائيلية دينية وقومية تسعى إلى توسيع حضورها داخل الحرم القدسي.
كما أن العام 2026 شهد تصعيدا لافتا وغير مسبوق في هذا السياق، وهنا يظهر السؤال الأساسي بالنسبة للأردن، والذي لا يرتبط فقط بمن يدخل إلى المسجد ومتى، وإنما بما إذا كانت هذه الممارسات يمكن أن تتحول تدريجيا إلى واقع جديد يتم التعامل معه لاحقا باعتباره أمرا قائما.
ولعله ما يفسر تركيز الخطاب الأردني على مصطلح «الوضع التاريخي والقانوني القائم»، ذلك أن أي تغيير في قواعد الوصول والإدارة داخل الحرم يمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى تغيير عملي في طبيعة إدارة المكان، إذ يستند الموقف الأردني إلى رؤية تعتبر القدس الشرقية جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن مستقبل المدينة يجب أن يرتبط بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وبحسب مراقبين، فإن هذا التفريق مهم سياسيا، فهو يجعل الوصاية الهاشمية، وفق الرؤية الأردنية، جزءا من منظومة حماية الوضع القائم وليس بديلا عن الحق الفلسطيني في المدينة المقدسة.
وبحسب المحلل السياسي والخبير القانوني، أستاذ القانون العام الدكتور معاذ أبو دلو، فإن الأردن ركز خطابه الدبلوماسي على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة في رفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية، لافتا إلى أن الاقتحامات وفرض القيود على المصلين تشكل خرقا وانتهاكا صارخا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ومحاولة لفرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى.
وأضاف أبو دلو أن هذا المسار يمنح الدبلوماسية الأردنية مساحة أوسع للتحرك في وضع القضية في إطار قواعد دولية، وليس في إطار صراع ديني فقط.
ولفت إلى أن المنظور الأردني فيما يخص القدس ينطلق من الحفاظ على الوضع القائم في المدينة، باعتباره جزءا رئيسيا في منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي، مشيرا إلى أهمية الدور الخاص للوصاية الهاشمية في حماية ورعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف.
وعن تطورات المشهد في القدس، قال أبو دلو إن ملف القدس سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الإقليمية، خصوصا مع استمرار التوترات السياسية والأمنية في الأراضي الفلسطينية، مبينا أن الأردن يملك، بحكم علاقته المباشرة بملف القدس، مصلحة واضحة في منع تحويل الإجراءات الأحادية إلى ترتيبات دائمة على الأرض.
ولفت إلى أن جوهر المعركة السياسية حول القدس اليوم يتعلق بالمحافظة على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى، والتصدي لمحاولات الاحتلال تغيير الوضع القائم للمدينة.
وتابع أبو دلو: من هنا يمكن فهم تمسك وتشدد الموقف الأردني واستمرار التحرك الدبلوماسي في هذا الملف، حيث ينظر الأردن إلى القدس باعتبارها قضية مرتبطة بالأمن والاستقرار وبالحقوق الفلسطينية وبالقانون الدولي، وكذلك بالدور التاريخي للوصاية الهاشمية.
وبين أن الحضور الدبلوماسي الأردني ثابت ومتشدد في حماية المقدسات، والتي لا تنفصل عن حماية الوضع التاريخي والقانوني للقدس والحفاظ على هوية المدينة ومستقبلها السياسي، ورفض أي إجراءات أحادية يمكن أن تقوض فرص السلام وحل الدولتين.
الباحث السياسي والقانوني الدكتور مصطفى عواد قال إن الأردن اتجه خلال الأشهر الأخيرة إلى توسيع دائرة التحرك العربي والإسلامي والدولي فيما يتعلق بملف القدس، مشيرا إلى استضافة عمان أخيرا اجتماعا وزاريا حول القدس والمقدسات، بمشاركة دول عربية وإسلامية وأمين عام جامعة الدول العربية، هدف إلى تنسيق موقف مشترك تجاه التطورات في القدس.
وأضاف عواد: هنا تظهر إحدى أهم أدوات الدبلوماسية الأردنية في تحويل قضية القدس من مواجهة أردنية إسرائيلية منفردة إلى قضية عربية وإسلامية ودولية مرتبطة بالقانون الدولي وحل الدولتين، كما أن الهدف المركزي للتحرك الأردني سياسيا أيضا هو منع تحول الإجراءات الإسرائيلية المتواصلة إلى واقع دائم.
ولفت إلى أن سياسة الاحتلال القائمة على الاقتحام المتكرر وفرض قيود على المصلين والسماح بمظاهر دينية يهودية داخل باحات المسجد، مشيرا إلى أنها يمكن أن تؤدي إلى تغيير في الوضع القائم في قواعد التعامل مع الحرم المقدسي.