تقدّم القطاع الصناعي إلى واجهة النمو الاقتصادي خلال الربع الثاني من العام الحالي، بعدما سجل نمواً بنسبة 4.6%، فيما ارتفعت الصناعات التحويلية بنسبة 6.2%، مقابل نمو الاقتصاد الوطني بنسبة 3%، في أداء يعكس تنامي مساهمة الصناعة في النشاط الاقتصادي.
ويأتي هذا الأداء في وقت يواجه فيه القطاع تحديات تتعلق بكلف الطاقة والنقل والتمويل، إلى جانب الظروف الإقليمية، ما يضع أمام الصناعة اختباراً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على زخم النمو وتحويله إلى توسع طويل الأمد في الإنتاج والاستثمار والتصدير.
الصناعة ترفع مساهمتها في النمو
قال الخبير الاقتصادي والصناعي وعضو غرفة صناعة عمان المهندس موسى الساكت إن القطاع الصناعي أسهم بنحو 40% من النمو الاقتصادي المتحقق خلال الربع الثاني، مع وصول قيمته إلى نحو 2.519 مليار دينار.
وأضاف أن الصناعات التحويلية أسهمت وحدها بنحو 1.04 نقطة مئوية من النمو الاقتصادي، أي ما يقارب 35% من إجمالي النمو، مشيراً إلى أن هذا الأداء يعكس تنامي الدور الذي تلعبه الصناعة في دفع النشاط الاقتصادي.
وعزا الساكت النمو إلى تحسن الطلب على المنتجات الصناعية محلياً وخارجياً، وتحسن أداء الصادرات، واتساع التنوع السلعي والجغرافي، إلى جانب توسع عدد من الأنشطة الإنتاجية.
وأشار إلى أن القاعدة الصناعية تضم قطاعات متنوعة، من بينها الصناعات الغذائية والمحيكات والألبسة والكيماويات والصناعات الإنشائية والصناعات العلاجية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحد من اعتماد النمو على نشاط صناعي واحد.
6.2% تفتح سؤال الاستدامة
سجلت الصناعات التحويلية أعلى معدل نمو ربعي منذ عام 2008، وفق قراءة الساكت للسلسلة الزمنية لبيانات الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس قوة النشاط الصناعي خلال الربع الثاني.
إلا أن الجغبير يرى أن قوة الرقم لا تكفي وحدها لإثبات تحول مستدام في الصناعة، موضحاً أن الحكم على استمرارية المسار يحتاج إلى متابعة مؤشرات الاستثمار والإنتاجية والتشغيل والقيمة المضافة والصادرات خلال عدة أرباع.
ويشير إلى أن قرارات إنشاء خطوط إنتاج جديدة أو توسيع المصانع والتوظيف لا تستجيب بالضرورة لتحسن ربع واحد، وإنما تتأثر بمدى وضوح الطلب واستمراره وقدرة المنشآت على بناء توقعات مستقرة للمستقبل.
وارتفع مؤشر كميات الإنتاج الصناعي بنسبة 0.21% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من 2025، رغم ارتفاعه بنسبة 1.22% في تموز على أساس سنوي، ما يبرز الفارق بين الأداء القوي في فترة قصيرة والمسار التراكمي للإنتاج.
الصادرات تختبر قدرة الصناعة على التوسع
تبرز الصادرات كأحد المسارات الرئيسية التي يمكن من خلالها قياس قدرة الصناعة على تحويل النمو إلى نشاط اقتصادي ممتد.
وقال الجغبير إن الأداء التصديري يعكس اتساع حضور المنتجات الصناعية الأردنية في الأسواق الخارجية، مشيراً إلى أن تنوع السلع والأسواق يمنح القطاع مساحة أكبر للتعامل مع التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع الوصول إلى الأسواق غير المستغلة، والاستفادة بصورة أكبر من اتفاقيات التجارة الحرة، وربط المصانع بالمشترين وسلاسل التوريد العالمية، بما يتيح للمنتج الأردني زيادة حضوره في الأسواق الخارجية.
ويرى الساكت أن أهمية النمو التصديري لا ترتبط فقط بزيادة القيمة، وإنما أيضاً بقدرة الصناعة على تنويع قاعدة المنتجات والأسواق، بما يقلل من مخاطر الاعتماد على وجهات تصديرية محددة.
الكلف تحدد مساحة التوسع
وفي المقابل، تبقى كلف الإنتاج عاملاً حاسماً في قدرة المصانع على المنافسة، خصوصاً في ظل ارتفاع كلف الطاقة والنقل والشحن والتمويل.
وقال الساكت إن الصناعة، بحكم اعتمادها على رأس المال والطاقة، تتأثر بصورة مباشرة بهذه الكلف، ما يجعل توفير طاقة أكثر تنافسية وتطوير الخدمات اللوجستية وتحسين أدوات التمويل عوامل أساسية في دعم التوسع الصناعي. ويضيف الجغبير أن المستثمر الصناعي يحتاج كذلك إلى بيئة تشريعية وإجرائية مستقرة، وتقليل البيروقراطية، ووضوح أكبر في الكلف والضرائب والطاقة والإجراءات، حتى يتمكن من اتخاذ قرارات استثمارية تمتد لسنوات.
من النمو إلى الاستثمار والتشغيل
ولا يتوقف التحدي عند المحافظة على معدلات النمو، بل يمتد إلى ضمان انعكاسها على الاقتصاد الحقيقي من خلال استثمارات جديدة وطاقات إنتاجية أكبر وفرص عمل إضافية.
ويؤكد الساكت أهمية تحفيز الاستثمار في الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، خصوصاً التكنولوجيا والغذاء والدواء والهندسة، بالتوازي مع تطوير المهارات وربط التدريب باحتياجات المصانع. أما الجغبير فيرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تستثمر الزخم الحالي في دفع المنشآت القائمة إلى التوسع وتشجيع دخول استثمارات صناعية جديدة، بحيث يتحول ارتفاع الطلب إلى زيادة فعلية في القدرات الإنتاجية.
وبذلك، لا تختبر الصناعة قدرتها على تسجيل نمو مرتفع فحسب، بل قدرتها على تثبيت هذا النمو وتحويله إلى استثمار وإنتاج وصادرات وتشغيل، بما يعزز مساهمتها في الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.