دقة التعداد تدعم عدالة توزيع التنمية والخدمات بين المناطق
بيانات التعداد تخفض كلفة دراسات الجدوى ومخاطر القرار الاستثماري
خصوصية البيانات شرط لرفع الثقة ودقة المشاركة
لا يقف التعداد العام للسكان والمساكن عند حدود تسجيل أعداد السكان أو حصر الأسر والمساكن، بل يتجاوز ذلك ليشكل قاعدة معرفية وطنية تستند إليها الدولة في قراءة التحولات السكانية والاجتماعية والاقتصادية، وتحديد الاحتياجات الفعلية للمناطق، وتحويل البيانات إلى سياسات وبرامج وخدمات أكثر ارتباطاً بالواقع.
وفي هذا السياق، أكدت الباحثة في العلوم السياسية في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية الدكتورة تمارا الزريقات، أن التعداد السكاني لا يمكن اختزاله باعتباره عملية إحصائية تقتصر على أعداد السكان وأرقامهم، مبينة أن أهميته في السياق السياسي تتجلى في كونه يشكل قاعدة معرفة وطنية تساعد الدولة على فهم المجتمع واتخاذ قرارات عامة دقيقة ومتصلة بالواقع.
وقالت إن السياسة بمعناها الواسع تتجاوز موضوع الانتخابات أو التمثيل، وتشمل صناعة القرار العام، التي تمر بمسار مؤسسي متدرج يبدأ بجمع البيانات من خلال التعداد السكاني، ثم تحويلها إلى معلومات وتحليلها وقراءة اتجاهاتها وصولاً إلى خيارات وسياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
وأوضحت الزريقات أن أهمية التعداد تتجلى في إمداد هذا المسار بالبيانات الدقيقة، مشيرة إلى أنه كلما كانت المعلومات أكثر وضوحاً وشمولاً، ازدادت قدرة المؤسسات على صياغة الأولويات وترتيبها بصورة أكثر موضوعية، وتوجيه الخدمات والاستثمارات والبرامج وفق الاحتياجات الحقيقية للسكان في المحافظات والقرى.
وبينت أن البيانات تساعد، على سبيل المثال، في الكشف عن ازدياد أعداد الأسر في منطقة معينة، أو ارتفاع أعداد الشباب، أو التوسع العمراني في منطقة محددة، بما يوفر إشارات عملية لصانع القرار حول الحاجة إلى بنية تحتية أكبر، ومدارس ومراكز صحية وشبكات نقل وخدمات عامة.
وأضافت أن التعداد بذلك يتحول من مجرد عملية لإحصاء الأرقام إلى أداة تساعد على الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي، وتمكين المؤسسات من رصد التحولات الاجتماعية والتنموية.
ولفتت الزريقات إلى أن أهمية التعداد ترتبط كذلك بالبعد السياسي المتصل بشرعية القرار، إذ إن بناء السياسات على بيانات شاملة ومحايدة ودقيقة يجعلها أكثر اتساقاً مع توزيع السكان واحتياجاتهم، ويعزز شعور المواطنين بأنهم حاضرون في الحسابات والتخطيط وعملية صناعة القرار، بما يرفع الثقة بالمؤسسات والاستثمارات، ويرسخ مبدأ التوزيع العادل للتنمية والموارد والخدمات والفرص.
وأكدت أن التعداد السكاني يمثل مرتكزاً مهماً للمعرفة في الدول الحديثة، ويربط الواقع الاجتماعي بالقرار السياسي، بما يمنح المؤسسات القدرة على بناء سياسات أكثر كفاءة تستند إلى فهم دقيق للتحولات السكانية، وتخدم المجتمع على أساس واضح ومدروس.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي إياس الشعيبي أن التعداد العام للسكان والمساكن ليس مجرد عملية لعدّ الأفراد، وإنما يعد أهم وثيقة اقتصادية تنتجها الدولة كل عشر سنوات، نظراً لارتباط قرارات الإنفاق العام وخطط الاستثمار به، إلى جانب الأرقام المتعلقة بالبطالة والفقر ودخل الفرد.
وأشار إلى أن آخر تعداد أُجري عام 2015، ومنذ ذلك الحين يجري التخطيط على تقديرات تتقادم عاماً بعد عام، في وقت شهدت فيه الخريطة السكانية في الأردن خلال العقد الماضي تغيرات، من بينها موجات اللجوء، والانتقال من الأطراف إلى المدن، والتوسع العمراني على أطراف عمّان والزرقاء وإربد، إلى جانب التحولات في حجم الأسرة وسن الزواج والإنجاب.
وأوضح الشعيبي أن السكان يمثلون المقام الذي تُبنى عليه معظم المؤشرات الاقتصادية، مثل معدل البطالة ونصيب الفرد من الناتج المحلي ونسبة الفقر وعدد الأسرّة لكل ألف مواطن، وبالتالي تصبح هذه المؤشرات أقل دقة عندما يكون المقام تقديرياً.
وبيّن أن التعداد يشكل أيضاً «إطار المعاينة» الذي تُسحب منه عينات المسوح الأسرية خلال السنوات العشر التالية، ومنها مسح العمالة والبطالة ومسح دخل ونفقات الأسرة، مؤكداً أن أي خلل في التعداد ينتقل إلى المسوح التي تأتي بعده، وأن دقة المعلومات المتعلقة بأنماط الإنفاق والاستهلاك ومستوى المعيشة ترتبط بدقة التعداد.
وفي مجال الإنفاق العام، أوضح الشعيبي أن التعداد يساعد في تحديد أماكن بناء المدارس والمستشفيات وتوجيه الاستثمارات، خصوصاً في ظل محدودية الحيز المالي وارتفاع المديونية، مشيراً إلى أن الإنفاق في المكان الخطأ يعني بقاء الحاجة الحقيقية دون تلبية.
وأشار إلى أن التعداد يوضح أين يعيش الناس فعلاً، وأعمارهم وكيف يتوزعون، بما يحول الإنفاق الرأسمالي من الاستجابة للضغط إلى استثمار مخطط له، لافتاً إلى أهمية ذلك في قطاعات المياه والطاقة، خصوصاً أن الأردن من أفقر دول العالم مائياً، وأن المشاريع الكبرى في هذه القطاعات تصمم لعقود مقبلة.
كما تناول أهمية التعداد في الانتقال من الدعم العام إلى الدعم الموجه، موضحاً أنه لا يستخدم لتحديد استحقاق أسرة بعينها، لأن بياناته سرية بحكم القانون، لكنه يرسم خريطة توضح أماكن تركز جيوب الفقر وحجم الأسر وظروف مساكنها ومن يعمل فيها، بما يساعد على تصميم برامج الحماية الاجتماعية بكفاءة أعلى.
وفي سوق العمل، أشار الشعيبي إلى أهمية معرفة أعداد الشباب الذين سيدخلون سوق العمل خلال السنوات المقبلة، وتوزعهم الجغرافي ومستوياتهم التعليمية، لما لذلك من أثر في توجيه التعليم المهني والحوافز الاستثمارية والقطاعات المستهدفة، إضافة إلى أهمية الهرم العمري في الدراسات الاكتوارية للضمان الاجتماعي وتقدير كلفة الرعاية الصحية مستقبلاً.
وأكد أن البيانات الدقيقة تخدم القطاع الخاص أيضاً، إذ يحتاج المستثمر إلى معرفة حجم السوق وكثافته وتركيبته العمرية وحجم الأسر، مبيناً أن بيانات التعداد المنشورة توفر سلعة عامة يستفيد منها الجميع، وتخفض كلفة دراسات الجدوى ومخاطر القرار، خصوصاً أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وربط الشعيبي أهمية التعداد برؤية التحديث الاقتصادي واللامركزية والتمويل الدولي، موضحاً أن أهداف رؤية التحديث الاقتصادي تحتاج إلى خط أساس صحيح لقياس التقدم، وأن مجالس المحافظات تحتاج إلى معايير عادلة لتوزيع المخصصات، فيما يوفر السكان أحد أهم هذه المعايير.
وأشار إلى أن الأردن، على المستوى الدولي، يتحمل كلفة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين وغير الأردنيين، وأن المجتمع الدولي يطلب أرقاماً موثقة، لافتاً إلى أن العد الدقيق يقوي موقف الأردن التفاوضي في تقاسم الأعباء، وينقل الحجة من التقدير إلى الحقيقة.
وفيما يتعلق بالخصوصية، أكد الشعيبي أن بيانات التعداد محمية بقانون الإحصاءات العامة، وتستخدم بصورة مجمعة لا تظهر فيها أسرة بعينها، مشيراً إلى تأكيد دائرة الإحصاءات أنها لن تشارك البيانات مع أي جهة حكومية أو غير حكومية.
وقال إن امتناع المواطن عن الإجابة أو تقديم معلومات غير دقيقة ينعكس على الخدمات، لأن المنطقة التي لا تُعد بشكل صحيح قد تظهر في الأرقام أصغر من حجمها، وبالتالي تحصل على مدارس وعيادات وخدمات أقل مما تستحق، مؤكداً أن البيانات الدقيقة هي ثمن الخدمة العادلة.
وأكد في المقابل أن على الحكومة شرح أسباب طرح الأسئلة والالتزام علناً بعدم استخدام بيانات التعداد يوماً في قرار ضريبي أو تحديد استحقاق فردي، ونشر النتائج في وقتها وبشفافية، حتى يرى المواطن عائد مشاركته، مبيناً أن الثقة تُبنى بالممارسة، وأنها أصل اقتصادي حقيقي، فكلما زادت الثقة ارتفعت جودة البيانات وتحسنت القرارات المبنية عليها.
وأشار إلى أن كلفة التعداد متواضعة مقارنة بحجم القرارات التي سيوجهها خلال عشر سنوات، لافتاً إلى أن اعتماد العد الذاتي الإلكتروني لأول مرة لما يقارب 2.5 مليون أسرة يمثل خطوة تخفض الكلفة وترفع الدقة إن أحسن استخدامها.
من جهتها، أكدت المشرفة التربوية في مديرية تربية الزرقاء الثانية والمدربة لدى دائرة الإحصاءات العامة الدكتورة ختام رضوان أن التعداد العام للسكان والمساكن 2026 مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وليس مهمة الباحثين الإحصائيين وحدهم، بل مساهمة مباشرة في بناء صورة أكثر دقة عن الأردن ومساعدة صانعي القرار على التخطيط لمستقبل أفضل يستند إلى بيانات موثوقة.
وقالت إن الأرقام الدقيقة ليست مجرد بيانات تجمع وتحفظ، وإنما أساس للتخطيط السليم واتخاذ القرارات ورسم السياسات العامة، موضحة أن معرفة أعداد السكان وتوزيعهم تساعد على تحديد الاحتياجات الفعلية للمناطق من المدارس والمراكز الصحية والخدمات والبنية التحتية، كما تدعم توجيه برامج التنمية بصورة أكثر عدالة بين مناطق الأردن المختلفة.
وبينت رضوان أن القيمة الحقيقية للتعداد تكمن في وضع صورة أقرب إلى الواقع أمام صانع القرار، من حيث أماكن تركز السكان والفئات العمرية وتوزيع الأسر والمساكن وطبيعة الاحتياجات السكانية والخدمية، مشيرة إلى أن هذه المعلومات تدخل في التخطيط للتعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات.
وأوضحت أن التعداد العام للسكان والمساكن يشكل الأساس الذي تعتمد عليه دائرة الإحصاءات في تقدير أعداد السكان سنوياً وإجراء الإسقاطات السكانية المستقبلية، وأن البيانات التي تجمع من الأسر تتحول بعد معالجتها إلى مؤشرات تساعد في فهم الواقع السكاني والاجتماعي والاقتصادي وتوفر قاعدة للمقارنة والتخطيط للمستقبل.
وأكدت أن تعاون المواطنين مع الباحثين يمثل عنصراً أساسياً في دقة النتائج، لأن المواطن هو مصدر المعلومة، بينما يستطيع الباحث الإحصائي أن يسأل ويسجل ويتحقق وفق إجراءات التعداد، لكنه لا يستطيع معرفة عدد أفراد الأسرة وخصائصهم أو تفاصيل المسكن من دون إجابات أصحاب العلاقة.
وأضافت أن عدم الإجابة أو تقديم معلومات ناقصة يعني أن جزءاً من الواقع قد لا يظهر في البيانات، مشيرة إلى أن كل أسرة تشكل جزءاً من الصورة الوطنية، وعندما تجمع معلومات جميع الأسر تتشكل لدى دائرة الإحصاءات العامة صورة عن المدينة والمحافظة ثم عن الأردن كله.
وشددت رضوان على أن تجاوب الأسرة والاستماع إلى الأسئلة الواردة في استمارة العد السكاني وتقديم إجابات واضحة وصحيحة وتسهيل عملية جمع البيانات، كلها أمور تقلل الأخطاء وتساعد على إنجاز التعداد بكفاءة، كما أن التعاون يعني تمثيل الأسرة والمجتمع بصورة صحيحة، بحيث تنعكس خصائصهما واحتياجاتهما في الصورة الإحصائية العامة.
وهكذا يبرز التعداد العام للسكان والمساكن 2026 كعملية وطنية تتجاوز جمع الأرقام إلى بناء صورة أكثر دقة عن المجتمع، تتيح قراءة التحولات السكانية وتحديد الاحتياجات وتوجيه الموارد والخدمات والاستثمارات على أسس واضحة، فيما تشكل مشاركة كل أسرة في تقديم معلومات دقيقة لبنة أساسية في قاعدة البيانات التي ستستند إليها قرارات التخطيط خلال السنوات المقبلة.