أجمع خبراء اقتصاديون على أن متابعة جلالة الملك عبدالله الثاني لخطط تطوير قطاع الغاز تعكس أن ملف الطاقة لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية التزويد، بل بوصفه أحد المتغيرات المؤثرة في النمو والميزان التجاري والحساب الجاري وتنافسية الاقتصاد.
وقال الخبراء في أحاديث لـ«الرأي» إن تطوير حقل الريشة وزيادة إنتاجيته وربطه بخط الغاز العربي يكتسب أهمية خاصة، لأنه يتيح للأردن زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية، وتقليل مخاطر وتقلبات الاستيراد، وتعزيز أمن التزود بالغاز.
وترأس جلالة الملك عبدالله الثاني، الثلاثاء، اجتماعًا في قصر الحسينية لمتابعة عمل الحكومة في قطاع الغاز وخطط تطويره، بما يدعم أمن الطاقة ويرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
واطلع جلالته، خلال الاجتماع الذي حضره سمو الأمير فيصل بن الحسين، رئيس مجلس السياسات الوطني، ورئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وعدد من المسؤولين المعنيين، على سير العمل في تنفيذ خطة تطوير حقل الريشة وزيادة إنتاجيته، ومستجدات ربطه بخط الغاز العربي لتعزيز إمدادات الغاز ودعم احتياجات قطاع الطاقة.
واستمع جلالة الملك إلى شرح قدمه وزير الطاقة والثروة المعدنية الدكتور صالح الخرابشة حول الخطة الشاملة لقطاع الغاز، وتطورات سوق الغاز الأردني، وخطط استيراد الغاز وتصديره، ومشروع توزيع الغاز الطبيعي في عمان والزرقاء، بما يسهم في توسيع استخدامه محليًا.
وحضر الاجتماع مدير مكتب جلالة الملك، المهندس علاء البطاينة، ونائب رئيس الوزراء ووزير دولة للشؤون الاقتصادية مهند شحادة، ووزير الاستثمار الدكتور طارق أبو غزالة.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن متابعة جلالة الملك لقطاع الطاقة، وخصوصًا تطوير حقل الريشة وربطه بخط الغاز العربي، تأتي في إطار الأهمية التي يوليها جلالته لهذا القطاع، وتعكس إدراكًا ملكيًا واضحًا للمكانة الاستراتيجية التي يحتلها قطاع الطاقة.
وأشار عايش إلى أن الكلف التي يتحملها الأردن نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة تعني أن العناية الملكية بهذا القطاع تأتي على أكثر من مستوى؛ الأول وطني، من خلال تطوير منظومة قطاع الطاقة والطاقة الغازية والتفاصيل المتعلقة بها، والثاني يرتبط بالرسالة الملكية تجاه هذا القطاع، بما في ذلك ما يتعلق بالاحتياطيات الاستراتيجية من النفط والمشتقات النفطية، بما يؤدي إلى تقليل تعرض الأردن للأعباء والتكاليف المترتبة على أسعار الطاقة، في ضوء المتغيرات المقبلة.
ولفت عايش إلى أن ملف الطاقة بالنسبة للأردن وجلالة الملك لم يعد قضية مرتبطة بتأمين احتياجات محطات توليد الكهرباء وتوفير الوقود، وإنما أصبح جزءًا من القدرة الشاملة للاقتصاد على الاستمرار والنمو ومواجهة الأزمات والتقلبات الإقليمية.
وبيّن عايش أن المتابعة الملكية على أعلى مستوى تعطي هذا الملف بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإدارة اليومية للقطاع إلى التخطيط المستقبلي لأمن الطاقة، وبالتالي تكتسب المتابعة الملكية لتطورات حقل الريشة أهمية خاصة؛ لأن اقتصاديات الغاز لا تُقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما بما يمكن أن يترتب على الإنتاج المحلي من آثار في كلف الإمدادات، وتنويع مصادر الطاقة، وتقليل مخاطر الاعتماد على مصادر خارجية، والأهم تحسين قدرة المملكة على إدارة احتياجاتها من الطاقة.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن ترؤس جلالة الملك عبدالله الثاني اجتماع متابعة قطاع الغاز يحمل دلالة استراتيجية واقتصادية مهمة، ويعكس إعطاء ملف الطاقة أولوية على مستوى الدولة، باعتباره أحد العوامل الرئيسية في أمن الاقتصاد وتنافسية القطاعات الإنتاجية.
وأضاف مخامرة أن تطوير حقل الريشة وزيادة إنتاجيته وربطه بخط الغاز العربي يكتسب أهمية خاصة، لأنه يتيح للأردن زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية، وتقليل مخاطر وتقلبات الاستيراد، وتعزيز أمن التزود بالغاز.
وأشار إلى أن خطط توسيع توزيع الغاز الطبيعي في عمان والزرقاء والمدن الصناعية يمكن أن تسهم في خفض كلف الطاقة على القطاعين الصناعي والتجاري، وتحسين تنافسية المنتجات الأردنية، خصوصًا للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
أما على الجانب الاستثماري، فأشار مخامرة إلى أن تطوير قطاع الغاز يفتح المجال أمام استثمارات جديدة في عمليات الاستكشاف والإنتاج، وإنشاء خطوط الأنابيب، وعمليات التوزيع، والصناعة وتوليد الكهرباء، مما يحول هذا القطاع من مجرد مصدر للطاقة إلى جزء من منظومة النمو الاقتصادي.
وأضاف أن الاجتماع يشير إلى توجه حكومي نحو تنويع مصادر الطاقة وبناء منظومة أكثر مرونة تجمع بين الغاز المحلي والمستورد والطاقة المتجددة.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان أن متابعة جلالة الملك عبدالله الثاني لخطط تطوير قطاع الغاز تعكس أن ملف الطاقة لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية التزويد، بل كأحد المتغيرات المؤثرة في النمو والميزان التجاري والحساب الجاري وتنافسية الاقتصاد. وتستهدف استراتيجية الطاقة رفع إنتاج حقل الريشة إلى نحو ٤١٨ مليون قدم مكعب يوميًا بحلول ٢٠٢٩، ثم إلى أكثر من ٨٠٠ مليون قدم مكعب يوميًا بحلول ٢٠٣٥، وهو تحول يمكن أن يغيّر بصورة ملموسة هيكل الاعتماد على الغاز المستورد.
وأوضح السرحان أن الأثر الأول سيكون على فاتورة الاستيراد والطلب على العملات الأجنبية. فقد ارتفعت مستوردات النفط الخام ومشتقاته خلال الأشهر السبعة الأولى من عام ٢٠٢٦ بنسبة ٤٥.٨٪، وهو ما يوضح مدى حساسية الاقتصاد الأردني لتحركات أسواق الطاقة العالمية.
وأضاف أن زيادة مساهمة الغاز المحلي لا تعني إلغاء الحاجة إلى الاستيراد، لكنها تخفف جزءًا من هذه الحساسية، وتساعد على تقليل الضغوط على الميزان التجاري والحساب الجاري، الذي سجل عجزًا بنحو ٢.٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من العام الحالي.
وأشار إلى أن هناك بعدًا آخر يتعلق بالنمو والأسعار، فالطاقة تدخل في كلفة الصناعة والنقل والخدمات وإنتاج الكهرباء، وبالتالي فإن توفير مصدر محلي أكثر استقرارًا يخفف تعرض المنتج الأردني للتقلبات الخارجية.
وأضاف أن ذلك مهم في مرحلة يسجل فيها الاقتصاد نموًا حقيقيًا بنحو ٢.٩٪، لأن رفع النمو إلى مستويات أعلى يحتاج إلى تحسين إنتاجية القطاعات وخفض كلفها، لا سيما الصناعات التي تنافس في الأسواق الخارجية. وكل تخفيض مستدام في كلفة الطاقة ينعكس على قدرة الشركات على التوسع والتوظيف والتصدير.
وبيّن السرحان أن ربط حقل الريشة بخط الغاز العربي بحلول ٢٠٢٩ يمثل جزءًا أساسيًا من المعادلة الاقتصادية، لأن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا لم تصل الكميات إلى المصانع ومحطات الكهرباء ومراكز الاستهلاك.
كما أن التوسع في شبكات الغاز في عمان والزرقاء يمكن أن يخلق سوقًا محلية أوسع للغاز الطبيعي، ويشجع منشآت صناعية وتجارية على التحول إليه، فيما تستهدف الاستراتيجية وصول الطلب الصناعي على الغاز إلى نحو ١٧٣ مليون قدم مكعب يوميًا بحلول ٢٠٣٥.
وأضاف السرحان أن القيمة الأكبر لغاز الريشة ستظهر عندما يتحول من مورد محلي إلى عنصر يغيّر جزءًا من معادلة الاقتصاد الكلي.
فبدلًا من خروج جزء من فاتورة الطاقة إلى الخارج، يمكن أن يبقى جزء أكبر من الإنفاق داخل الاقتصاد، ويذهب إلى الاستثمار والتشغيل والخدمات المرتبطة بالإنتاج والنقل والمعالجة.
وإذا تحقق التوسع المستهدف بالتوازي مع الطاقة المتجددة، فإن الأردن لا يكون قد عزز أمنه الطاقي فقط، بل يكون قد خفف أحد أهم مصادر تعرض اقتصاده للصدمات الخارجية، وفتح مساحة أكبر للنمو والاستثمار خلال السنوات المقبلة.