تكشف سياسة تسعير المشتقات النفطية خلال العام الحالي عن إدارة حكومية واعية لصدمة الأسعار العالمية، عبر عدم تمرير الارتفاعات الخارجية كاملة وفورًا إلى السوق المحلية، وامتصاص جزء من فروقات الكلفة بما حدّ من انعكاسها على المواطن والقطاعات الاقتصادية.
وتكمن أهمية هذه السياسة في أن الوقود ليس سلعة معزولة؛ فالديزل تحديدًا يدخل في النقل والشحن والزراعة والصناعة والخدمات، وأي ارتفاع حاد في سعره ينتقل سريعًا إلى كلف الإنتاج والنقل وأسعار السلع. لذلك، فإن تخفيف أثر الزيادة لا يحمي المستهلك من ارتفاع مباشر فحسب، بل يحد أيضًا من انتقال موجة التضخم إلى بقية الاقتصاد.
وخلال الأشهر الماضية، اتجهت الحكومة إلى التدرج في تمرير الكلف، مع تثبيت أسعار رئيسية في فترات من ارتفاع الأسعار العالمية، بما فيها الديزل والكاز والغاز المنزلي. هذه المقاربة منحت الأسر والقطاعات الإنتاجية مساحة للتكيف، بدل تحميلها صدمة سعرية مفاجئة يصعب امتصاصها في المدى القصير.
وتبرز أهمية القرار في أن الحكومة لم تتعامل مع التسعير باعتباره عملية حسابية تنقل كل تغير عالمي إلى المستهلك مباشرة، بل باعتباره أداة لإدارة الاستقرار الاقتصادي. فحين تكون الطاقة مدخلًا رئيسيًا لمعظم الأنشطة، يصبح التحكم بسرعة انتقال ارتفاعاتها جزءًا من حماية القدرة الشرائية وكلف الإنتاج معًا.
ولا تقتصر فائدة هذا النهج على المواطن؛ إذ إن إبقاء كلف الوقود ضمن نطاق يمكن التكيف معه يساعد الشركات والمصانع والمزارعين وقطاع النقل على ضبط كلف التشغيل، ويقلل الحاجة إلى تمرير الزيادات سريعًا إلى أسعار السلع والخدمات. وبذلك، يتحول امتصاص جزء من الصدمة إلى إجراء اقتصادي يحد من آثارها المتسلسلة.
في المقابل، تدرك الحكومة أن هذه الحماية لها كلفة على الخزينة، وأن فروقات الأسعار التي لا يتحملها المستهلك تنتقل في جانب منها إلى المالية العامة. ولذلك، فإن التحدي لا يتمثل في تثبيت الأسعار إلى ما لا نهاية، وإنما في إدارة التوازن بين حماية المواطن من الصدمات المفاجئة والحفاظ على قدرة الدولة على تحمل كلفة هذه السياسة.
وتحمل هذه المعادلة أهمية خاصة في اقتصاد مستورد للطاقة، إذ لا يملك التحكم في الأسعار العالمية، لكنه يستطيع التحكم في كيفية انتقال آثارها إلى الداخل. ومن هنا تأتي قيمة التدرج؛ فهو لا يلغي الكلفة الحقيقية للوقود، لكنه يوزعها زمنيًا ويمنح الاقتصاد فرصة لامتصاصها بدل استقبالها دفعة واحدة.
وفي المحصلة، فإن سياسة تسعير الوقود خلال هذه المرحلة تمثل إدارة للصدمة أكثر من كونها مجرد تثبيت للأسعار؛ فقد ساهمت في حماية القدرة الشرائية، وتخفيف كلف القطاعات الإنتاجية، والحد من انتقال ارتفاع الطاقة إلى بقية الأسعار. ويبقى نجاحها على المدى الأطول مرتبطًا باستمرار الموازنة بين هذا الدور الحمائي وكلفة الامتصاص على المالية العامة، وفق تطورات أسعار الطاقة عالميًا والقدرة المالية للدولة.
والرسالة الاقتصادية الأهم أن الحكومة اختارت، في مواجهة ارتفاعات خارجية لا تملك التحكم بها، إدارة أثرها على الداخل بدل نقلها كاملًا إلى المواطن؛ وهو نهج يخفف حدة الصدمة ويحافظ على مساحة أوسع للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.