أرقام قياسية لتكلفة العدوان الإسرائيلي
مليون ونصف نازح يعيشون في خيام متهالكة
الشتاء المقبل ينذر بكارثة إنسانية في القطاع
خرجت أصوات في الإعلام الإسرائيلي تنتقد غياب الحرب على غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة عن الحملات الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية، في وقت تقترب فيه كلفة الحرب من 450 مليار شيقل، وتواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، كتب كبير محللي صحيفة «هآرتس» ألوف بن مقالاً بعنوان «الجميع يتجادلون حول 7 أكتوبر، ولا أحد يتحدث عن إنهاء الحرب»، متسائلاً عن المفارقة المتمثلة في تركيز الحملة الانتخابية على مسؤولية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن تجاهل التحذيرات التي سبقت هجوم «7 أكتوبر» وعلى مسألة التمثيل العربي في الكنيست والحكومة، فيما تغيب الحرب نفسها عن النقاش السياسي.
ويشير بن إلى أن الحرب التي تقترب تكلفتها من 450 مليار شيقل، والتي جرى خلالها تجنيد جنود الاحتياط لفترات طويلة، فيما تواصل إسرائيل احتلال أجزاء واسعة من قطاع غزة ومساحات من لبنان وسوريا، لا تحظى بموقع مركزي في الخطاب الانتخابي. ويرى أن غياب الضغط الشعبي لإنهاء الحرب يتيح للمرشحين الاكتفاء بشعارات عامة، بدلاً من طرح خيارات واضحة بشأن مستقبلها.
وفي السياق ذاته، نشر معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب (INSS) ورقة موقف بعنوان «الخروج من المأزق: استراتيجية بديلة لإنهاء الحرب في قطاع غزة»، بمشاركة باحثين بينهم كوبي ميخائيل، وأودي ديكل، وعوفر غوتمان، ويوحنان تسوريف. وتخلص الورقة إلى أن استمرار الحرب يستنزف الجيش الإسرائيلي، ويوسع الشقوق داخل المجتمع، ويقوض الشرعية الدولية لإسرائيل ويضر بمكانتها الخارجية. وتشير الورقة إلى أن إسرائيل، بعد أكثر من عامين من القتال، وجدت نفسها في «مأزق استراتيجي مسدود»، فعلى الرغم من تحقيقها إنجازات عسكرية في إضعاف حركة حماس، فإنها لم تحقق أهداف الحرب المعلنة، وفي مقدمتها إسقاط حكم حماس وتدمير قدراتها العسكرية بالكامل.
وتنتقد الورقة ما تصفه بالثنائية التي فرضها نتنياهو على النقاش العام، والمتمثلة في الاختيار بين احتلال القطاع بالكامل أو الاستسلام لحماس، وتطرح بدلاً من ذلك مساراً ثالثاً يجمع بين الأداتين العسكرية والسياسية، ويستند إلى ما تعتبره إجماعاً إقليمياً ودولياً بشأن إنهاء حكم حماس في غزة ونزع سلاحها واستبعادها من أي دور في إدارة القطاع مستقبلاً، إلى جانب تجريد القطاع من السلاح.
وكان أودي ديكل قد نشر في يونيو 2025 ورقة بعنوان «ضرورة الساعة: إغلاق دائرة الحرب في قطاع غزة»، اعتبر فيها أن التحولات التي طرأت على ميزان القوى الإقليمي عقب المواجهة بين إسرائيل وإيران، إلى جانب ما وصفه بإعادة بناء الردع الإسرائيلي، ورغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إنهاء الحرب، وإضعاف «محور المقاومة»، وتزايد عزلة حماس، خلقت «نافذة فرصة» لإنهاء الحرب.
وقال ديكل إن إسرائيل استنفدت معظم الإنجازات العسكرية الممكنة في غزة، وإن استمرار القتال بعد ذلك سيقود إلى مزيد من الاستنزاف والخسائر البشرية من دون تحقيق مكاسب أمنية إضافية، وقد يفضي في نهاية المطاف إلى احتلال كامل للقطاع.
وفي شمال غزة، تشير تقارير إعلامية عبرية إلى أن الجيش الإسرائيلي ينفذ عملياً ما يعرف بـ"خطة الجنرالات»، التي تقوم على دفع سكان المنطقة إلى النزوح جنوباً، وفرض السيطرة العسكرية عليها، مع اعتبار من يبقى فيها هدفاً عسكرياً.
وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، فُصلت بيت حانون ومخيم جباليا وبيت لاهيا عن بعضها وعن محافظة مدينة غزة، بما يعني، وفق وصفها، استكمال تقسيم شمال القطاع. وأضافت أن الجيش أخلى نحو 60 ألف شخص من المناطق الثلاث، ولم يتبقَّ فيها سوى بضعة آلاف.
وتنص الخطة، بحسب نسخة مسربة، على اعتبار من يبقى في المنطقة «مقاتلاً»، بما يسمح باستهدافه وفق القواعد العسكرية، بالتزامن مع تقييد وصول السكان إلى الاحتياجات الأساسية من الغذاء والماء والدواء والوقود.
وفي هذا السياق، اغتالت إسرائيل، فجر الثلاثاء الماضي، عز الدين البيك، قائد لواء شمال قطاع غزة في كتائب القسام، في غارة استهدفت شقة سكنية في حي النصر غرب مدينة غزة.
وكان البيك قد خلف أحمد الغندور في قيادة اللواء، وأطلق عليه في أوساط المقاومة لقب «كاسر خطة الجنرالات»، في إشارة إلى الخطة الإسرائيلية للسيطرة على شمال القطاع وتهجير سكانه.
وبحسب مصادر في حماس، قاد البيك خطة دفاعية أسهمت في إيقاع خسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي عبر سلسلة من العمليات التي أعاقت تحقيق أهدافه، كما صمد مع مقاتليه 107 أيام خلال حصار شمال غزة.
وبالتزامن مع الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، تتواصل الخلافات حول تفسير بنوده وآليات تنفيذها. ووفق ما أوردته «يديعوت أحرونوت»، ترى إسرائيل أن إدخال ملف السلاح رسمياً في هذه المرحلة قد يحوله إلى مفاوضات مفتوحة من دون سقف زمني، بما يمنحها هامشاً للمماطلة. وأضافت الصحيفة أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تستطيع تقديم مرحلة ثانية لجمهورها من دون مكاسب سياسية واضحة، ولذلك يجري تضخيم ملف نزع السلاح وتحويله إلى العنوان المركزي للمفاوضات.
وميدانياً، أفادت وزارة الصحة في غزة بأن عدد الشهداء الذين وصلوا إلى مستشفيات القطاع منذ وقف إطلاق النار في 11 2025 وحتى 29 سبتمبر 2026 بلغ 1,422 شهيداً، إضافة إلى 4,996 إصابة و834 حالة انتشال، فيما ارتفعت الحصيلة الإجمالية منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023 إلى 74,023 شهيداً و175,111 إصابة، وفق بيانات الوزارة.
ومع اقتراب فصل الشتاء، يحذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من كارثة إنسانية جديدة، مشيراً إلى أن أكثر من مليون ونصف المليون نازح يعيشون في الخيام، من أصل نحو 270 ألف خيمة في القطاع، بينها 162 ألف خيمة متهالكة وغير صالحة للاستخدام، بنسبة تهالك تتجاوز 60 بالمئة.
كما حذر المكتب من مخاطر انهيار أكثر من 255 بناية متصدعة وآيلة للسقوط، يقطن فيها آلاف المواطنين، في وقت تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 82 بالمئة من الأسر في القطاع تعاني من انعدام الأمن المائي، وأن ما يصل إلى 70 بالمئة منها لا تستطيع الوصول إلى الحد الأدنى البالغ ستة لترات من المياه للفرد يومياً.
وبعد عام على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لا تزال غزة تعيش واقعاً بعيداً عن السلام، إذ تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية تحت ذرائع مختلفة، من «القضاء على حماس» إلى «نزع السلاح»، بالتوازي مع القيود المفروضة على دخول المساعدات واستمرار عمليات الإخلاء والتهجير في شمال القطاع.
وفي الوقت الذي تتجه فيه إسرائيل إلى انتخابات جديدة، تبدو الحرب حاضرة بقوة في الميدان وغائبة إلى حد كبير عن الحملات الانتخابية، فيما يبقى السؤال الذي طرحه ألوف بن في «هآرتس» قائماً: إذا كان إنهاء الحرب هو القضية الأكثر إلحاحاً، فلماذا لا تتصدر هذه القضية أجندة الانتخابات؟