تفرض موجة ارتفاع أسعار النفط عالميًا ضغوطًا جديدة على كلف الإنتاج والاستهلاك في الأردن، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قدرة القطاعات الاقتصادية على امتصاص هذه الزيادة، بالتوازي مع ضرورة تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المحلية والمتجددة، كمسار يعزز أمن الطاقة ويحد من أثر تقلبات الأسواق الخارجية.
ويرى خبراء اقتصاديون، في حديثهم لـ«الرأي»، أن تداعيات ارتفاع أسعار النفط لا تتوقف عند كلفة المحروقات، بل تمتد إلى كلف التشغيل والقوة الشرائية وقرارات الاستثمار والتوظيف، ما يجعل تنويع مصادر الطاقة ورفع كفاءة استخدامها أولوية اقتصادية تتجاوز التعامل مع موجة الأسعار الحالية.
صالحية: كلفة الطاقة تنتقل إلى مختلف مفاصل الاقتصاد
وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة الألمانية الأردنية، الأستاذ الدكتور لؤي صالحية، إن طبيعة الاقتصاد الأردني، بوصفه اقتصادًا صغيرًا وغير نفطي، تجعله أكثر تأثرًا بالتغيرات في أسواق الطاقة العالمية، موضحًا أن انعكاساتها قد تطال النمو ودخل الفرد والاستثمار والتوظيف.
وأضاف، في حديث لـ«الرأي»، أن الطاقة تمثل مدخلًا رئيسيًا في عمليات الإنتاج والاستهلاك، وبالتالي فإن ارتفاع كلف المحروقات يرفع أعباء التشغيل على المنشآت، في وقت تتعرض فيه الأسر لضغوط إضافية على إنفاقها.
وبيّن أن زيادة تكاليف المعيشة قد تؤدي إلى تراجع الدخل الحقيقي والإنفاق الاستهلاكي، فيما تواجه المنشآت الإنتاجية ارتفاعًا في الكلف قد يضغط على نشاطها وقدرتها التنافسية، خصوصًا إذا استمرت الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة لفترات طويلة.
الصناعات التحويلية في الواجهة
وأشار صالحية إلى أن الصناعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعات التحويلية، تعد من أكثر القطاعات تعرضًا لهذه الضغوط، نتيجة اعتمادها المكثف على الطاقة في عمليات التشغيل والإنتاج.
وأوضح أن ارتفاع كلف التشغيل يدفع المنشآت إلى تحسين كفاءة استهلاك الطاقة والبحث عن بدائل أكثر كفاءة، بما يساعدها على المحافظة على قدرتها التنافسية، ولا سيما في القطاعات الموجهة للتصدير.
2027.. اختبار لاستدامة النمو
وحذر صالحية من أن استمرار أزمة الطاقة حتى الربع الثاني من عام 2027 قد يزيد الضغوط التضخمية ويضعف القوة الشرائية، مع انعكاسات محتملة على الاستثمار والتوظيف والنمو الاقتصادي.
وأكد أن مواجهة هذه التداعيات تتطلب سياسات طويلة الأمد، تستهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة وتوسيع الخيارات المتاحة أمام الاقتصاد، بدل الاكتفاء بمعالجة آثار ارتفاع الأسعار على المدى القصير.
العمرو: تنويع المصادر يخفف مخاطر السوق
من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة مؤتة، الأستاذ الدكتور حسن عبد الرحمن العمرو، إن التطورات في أسواق النفط تنعكس على الاقتصاد الأردني بصورة مباشرة عبر كلف المحروقات، نظرًا للدور المحوري للطاقة في مختلف الأنشطة الاقتصادية.
وأوضح، في حديث لـ«الرأي»، أن ارتفاع الأعباء المرتبطة بالطاقة ينعكس على كلف الإنتاج والاستهلاك، وقد يضغط على القوة الشرائية والدخل الحقيقي، في حين يمكن لاستمرار الضغوط أن يؤثر في بعض قرارات الاستثمار والتوظيف.
وأضاف أن تنويع مصادر الطاقة ورفع كفاءة استخدامها يشكلان جزءًا أساسيًا من بناء قدرة أكبر على التعامل مع المتغيرات الخارجية وتقليل انعكاساتها على النشاط الاقتصادي.
الشمس والرياح.. استثمار يتجاوز أزمة الأسعار
وأكد العمرو أن التوسع في الطاقة المتجددة، خصوصًا الشمس والرياح، يمثل فرصة استراتيجية للأردن، في ضوء الإمكانات الطبيعية التي تمتلكها المملكة.
وقال إن الاستثمار في هذه المصادر لا ينبغي أن يرتبط فقط بارتفاع أسعار النفط، وإنما أن ينظر إليه باعتباره توجهًا طويل الأجل يقلل تعرض الاقتصاد لتقلبات أسواق الطاقة ويدعم استقرار منظومة التزويد.
الغاز المحلي يعزز تنوع المزيج
ولفت العمرو إلى أهمية الاستفادة من موارد الغاز الطبيعي المحلية وتطويرها، باعتبارها خيارًا يمكن أن يسهم في تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على المصادر المستوردة.
بدوره، أكد صالحية أهمية التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والاستفادة من الغاز الطبيعي، مشددًا على أن تحويل هذه الخيارات إلى رافعة اقتصادية يتطلب استثمارات مستدامة وسياسات واضحة ومستقرة.
من فاتورة النفط إلى اقتصاد أكثر مرونة
وتكشف مداخلتا الخبيرين أن ارتفاع أسعار النفط يضع الأردن أمام تحدٍ يتجاوز فاتورة المحروقات، ويتمثل في تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية دون أن تتحول تقلبات الأسواق العالمية إلى ضغوط مستدامة على الإنتاج والاستهلاك.
وفي المقابل، يفتح هذا التحدي مساحة لتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتطوير الموارد المحلية ورفع كفاءة الاستهلاك، بما يعزز أمن الطاقة ويدعم تنافسية القطاعات الإنتاجية.
وبهذا المسار، يمكن أن تتحول تقلبات سوق النفط من ضغط قصير الأجل إلى دافع لتسريع تنويع مزيج الطاقة وبناء اقتصاد أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات العالمية.