في ظل تصاعد الحرب الأميركية ـ الإيرانية وتداعياتها على أمن الملاحة في مضيق هرمز، تتشكل تحالفات جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، فيما يبرز التعاون التركي ـ الياباني باعتباره تطوراً يفرض نفسه على الحسابات الإسرائيلية، بالتزامن مع المساعي الإسرائيلية للحد من تنامي النفوذ التركي في سوريا وشرق المتوسط.
والتقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في نيويورك في 22 أيلول الحالي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أول لقاء مباشر بينهما. وبحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والدفاعي والتعليمي، إلى جانب التطورات المرتبطة بإيران والقضية الفلسطينية. وأكدت تاكايتشي أهمية خفض التصعيد واستقرار المنطقة وضمان حرية الملاحة الآمنة في مضيق هرمز، فيما شدد أردوغان على رغبة بلاده في توسيع التعاون مع اليابان في مجالات الاقتصاد والدفاع والتعليم.
وتسعى طوكيو إلى دفع العلاقات الاقتصادية مع أنقرة، بما في ذلك التوصل إلى اتفاقية شراكة اقتصادية، وتعزيز التعاون في مجال معدات وتقنيات الدفاع.
وفي المقابل، تنظر اليابان إلى تركيا بوصفها طرفاً قادراً على أداء دور دبلوماسي في أزمات الشرق الأوسط، بحكم علاقاتها مع أطراف متباينة، من إيران إلى دول حلف شمال الأطلسي. وأكد اللقاء الأخير استمرار التنسيق بين البلدين بشأن الملفات الإقليمية والدولية.
ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية في ظل حساسية مضيق هرمز بالنسبة إلى أمن الطاقة والتجارة العالمية، وفي وقت تسعى فيه أنقرة إلى توسيع حضورها الدبلوماسي والاقتصادي والدفاعي خارج محيطها المباشر.
ومن المنظور الإسرائيلي، لا تنفصل هذه التحركات عن التحول الأوسع في الدور التركي، ولا سيما في سوريا، حيث أصبحت أنقرة أحد أبرز الداعمين للحكومة السورية الجديدة وإعادة بناء قدراتها العسكرية والأمنية.
وتنظر إسرائيل بقلق إلى احتمال تحول الوجود التركي في سوريا إلى حضور عسكري دائم، خصوصاً إذا ارتبط بإنشاء منشآت أو قواعد جوية يمكن أن تؤثر في حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.
وتلخص بعض التحليلات الإسرائيلية هذه المقاربة بعبارة «لا لإيران ولا لتركيا»، أي منع عودة النفوذ الإيراني إلى سوريا، وفي الوقت نفسه الحيلولة دون أن تتحول تركيا إلى القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في الساحة السورية.
وفي هذا السياق، برز التعاون العسكري الإسرائيلي ـ اليوناني، إلى جانب الشراكة الثلاثية مع قبرص، كأحد مسارات موازنة النفوذ التركي في شرق المتوسط.
وأصبحت اليونان وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة طرفين رئيسيين في ترتيبات أمنية وعسكرية متنامية في المنطقة، تشمل التدريبات المشتركة والتعاون في مجالات الدفاع الجوي والمسيرات والحرب الإلكترونية.
كما عززت إسرائيل واليونان وقبرص تعاونها الثلاثي، إذ عقدت الدول الثلاث لقاءً في القدس في 22 كانون الأول 2025، أكدت خلاله استمرار التعاون في مجالات الأمن والدفاع والاستقرار الإقليمي.
ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه المنافسة الإسرائيلية ـ التركية على النفوذ في شرق المتوسط وسوريا.
ويمثل التعاون «الإسرائيلي ـ اليوناني ـ القبرصي» أحد أبرز الأطر التي يمكن أن تستخدمها إسرائيل لموازنة النفوذ التركي، فإلى جانب التعاون العسكري، يرتبط هذا المحور بتنافس أوسع حول الطاقة والحدود البحرية وطرق نقل الغاز، فضلاً عن الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بموقع تركيا ودورها المتنامي في المنطقة.
وترافق ذلك مع رسائل سياسية إسرائيلية موجهة إلى أنقرة، ففي سياق الحديث عن الطموحات الإقليمية التركية، استخدمت القيادة الإسرائيلية خطاباً يحذر من محاولات إعادة بناء نفوذ إمبراطوري في المنطقة، في إشارة فهمها مراقبون على أنها موجهة إلى مشروع أردوغان الإقليمي.
وفي المقابل، حرصت أنقرة على عدم تحويل التوتر مع إسرائيل إلى مواجهة مباشرة، مدركة تعقيدات العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وموقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي.
ويشير هذا العامل إلى ما وصفه محللون إسرائيليون بـ"السقف الزجاجي» للخصومة بين الطرفين؛ فتركيا وإسرائيل ترتبطان بعلاقات وثيقة مع واشنطن، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يضع حدوداً للتصعيد ويجعل الانتقال من التنافس السياسي والعسكري غير المباشر إلى مواجهة مفتوحة أكثر تعقيداً.
وفي الوقت نفسه، تعمل تركيا على بناء شبكة أوسع من العلاقات والتحالفات الإقليمية، بما يعزز قدرتها على المناورة أمام المحاور المنافسة.
ويأتي تعاونها مع اليابان في هذا السياق ليضيف بعداً دولياً إلى سياستها الخارجية، خصوصاً مع تركيز الاتفاقات والمباحثات على الاقتصاد والطاقة والدفاع، بالتوازي مع استمرار تحركاتها في الشرق الأوسط والبلقان وشرق المتوسط.
وبينما تعمل إسرائيل على تعزيز شبكة علاقاتها الدفاعية مع اليونان وقبرص ودول أخرى، تسعى تركيا إلى توسيع نطاق شراكاتها، بما في ذلك مع قوى آسيوية كبرى مثل اليابان.
وتكشف التطورات الأخيرة عن استراتيجية إسرائيلية متعددة المسارات في التعامل مع تنامي الدور التركي، تجمع بين تعزيز التحالفات العسكرية في شرق المتوسط، ومراقبة الوجود التركي في سوريا، واستخدام القوة العسكرية عندما ترى تل أبيب أن مصالحها الأمنية مهددة.
وفي المقابل، تحاول أنقرة توسيع هامش حركتها عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
وبين هذين المسارين، تبدو سوريا وشرق المتوسط مرشحين للبقاء في قلب التنافس التركي ـ الإسرائيلي، فيما يضيف التقارب التركي ـ الياباني بعداً جديداً إلى المشهد.